الإمام محمد ابو زهرة

ابن تيمية

حياته وعصره - آراؤه وفقهة

ملتزم الطبع والنشس

ذار الفكر العربى

الإدارة : 1١‏ شارع جواد حسنى ص . ب ١١٠١‏ القاهرة : 5١3150057‏

الإمام محمد ابو زهرة

ابن تيمية

حياته وعصره - آراؤه وفقهة

ملتزم الطبع والنشس

ذار الفكر العربى

الإدارة : 1١‏ شارع جواد حسنى ص . ب ١١٠١‏ القاهرة : 5١3150057‏

048,64" محمد بن أحمد أيى زهرة , 1854 - 151/5 ,

محعاب

ابن تيمية : حياته وعصره ؛ أراؤه وفقهه محمد أبى زهرة. - ط » جديدة . - القاهرة : دار الفكر العربى: 1991 .

ص ؛ "١0‏ سم .

يشتمل على إرجاعات ببليوجرافية .

١‏ - ابن تيمية تقى الدين أب العباس أحمد بن عبد الحليم , 575١‏ -58؟/! ه . ؟ - الفقه الإسلامى

, مذاهب . " - الفقه الحنيلى . ! - العنوان‎ - ٠

تعريقء بالشيخ الإمام محمد أبو زهرة

الإمام محمد أبو زهرة غنى عن التعريفء إن لا يختلف اثنان على أنه كان إمام عصره بلا منازع: ولكن من حقه عليناء ومن .حمق قارئه؛ أن نسطر عنه كلمات ولو فى أسطر قليلة تشير إلى نشأة ذلك الإمام؛ والجو الذى ولد وهاش فيه والمواقف الشجاعة فى الإصلاح الاجتماعى والإسلامىء ولو أدى الأمر إلى الوقوف ضبد اتجاهات السلطان.

هذا الإمام هى : محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد ين عيد الله, المولود فى عام

وأسرة أبى زهرة ينتهى نسبها إلى الأشرافء وأكنها لا تدعى ذلك كما يفعل الكثيرون, ممن يرفعون بذلك النسب خسيستهمء وإن كانوا فى واقع حالهم لا يستحقون الرفعة.

- بدأ الشيخ حياته التعليمية فى الكتاب. شأن كل أزهرى فى ذلك الوقت» ثم المدرسة الأولية حيث تعلم ميادئ القراءة والكتاية, ثم انصرف إلى المدارس الراقية, وبها أتم حفظ القرآن الكريم: وتعلم مبادئ العلوم المدنية كالرياضة والجغرافياء بالإضافة إلى العلوم العربية, وفى سنة ٠111م‏ التحق بالجامع الأحمدى بطنطا حيث ظهر نبوغه وتفوقه على أقرانه مما أثار إعجاب المحيطين يه من زملاء ومريين. وفى عام دخل الإمام محمد أبى زهرة مدرسةه ة القضاء الشرعى بعد أن اجثاز امتحان مسابقة قة كان أول المتقدمين فيه, رغم فارق السن, وعدد سئثوات الدراسة بينه وبينهم.

- وقد تنقل رحمه الله فى عدة مناصب بين كلية أصول الدين, وكلبة الحقوق؛ وتدرج فى مرائب التدريسء من مدرس إلى أستاذ مساعد,ء إلى أستاذ ذى كرسىء إلى رئيس قسم الشريعة: إلى أن أحيل إلى التقاعد عام 1154م: واختير عضوا بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر فى فبراير عام ؟151: وهو المجمع الذى يعتبر بديلا لما كان يسمى فى ال ماضى هيئة كبار العلماء.

يتحدث عن نفساء يقول:

- اختلطت حياتى بالحلو والمرء وابتدأت حياتى العلمية بدخول المكتب لحفظ القرآن الكريم» وإذا كان النبات قبل أن ي.تغاذا سوقه يعيش على الحب المتراكب وقد يرى بالمجهر سورة النبات فى ذلك الحبء فكذاك يذشا الناشئ؛ مناء وفى حبته الأولى فى الصبا تكمن كل خصائصه فى الكبر» وكنت أشدر وأا فى المكثب بمرين ظهرا فى حياتى قيما بعد.

والأمر الثانى : أن نقسى كانت تخميق من السيطرة بغير حق,.

ويسبب هذين الأمرين كانت حياة الشديخ أبو زهرة سلسلة من المواقف الشجاعة. يناضل فى سبيل الحق ضد المباطلء وام يرحل عن دنيانا إلا وقد ترك ثروة" من العلوم الشرعية الإسلامية التى تصيط بكثمر من الموضوعات من كل جوانبها. قهى الكنز الذى لاينفد, والنبع الذى لا يزال يتهل منه الظامثون, ولا يضيق يكثرة الناهلين.

رحمه الله رحمة واسعة: وهزاة شير ما بجزىي عالما عاملا لم مرد إلا العزة والرفعة للإسلاموالمسلمين.

الناشر

محمد محمود الخضرى

0 المؤافات الكاملة للإمام محمد أبى زهدرة موضحة فى آخر الكتاب

بسم الله الرصمن الرديم

الحمد لله رب العالمين: والصلاة والسلام على س.يدثا ممصمد النبى الأمى؛ وعلى آله

أما بعد: فقد كتبت فى الأ ة الأردعة أ.؛.. .ماب المذاهب التى تّاسمت الجماعة الإسلامية من حيث انتشارها وذيوعها والاخذ دهاء وقد أفردت لكل واحد مجلداً فصات فيه القول فى حياته. وعصره. وعلهه وفقهه ومنادج استذباطه وأاقرته دروساً على طلبة قسم الشريعة من الدراسات العليا بكلية الحقوق من جامعة القاهرة.

ونا وفقنى الله سبحانه وتعالى إلى إشراج هذه المجموعة الفقهية والتاريخية لجمهرة العلماء والمثقفين فى مصرء اتجهث النية إلى دراسة الطبقات التى تلى الأئمة الأربعة من المجتهدين الأحرار» أو المجتهدين المنتسبين إلى همذهي. من مذاهبهم؛ وقدمت ذلك على دراسة الأئمة الآخرين كجعفر بن محمد إمام الإمامية» وزيد بن على إمام الزيدية: وأبى داوود الظاهرىء وابن حزم الأندلسى إهام الفقه الظاهرى فى مصادره وموارده.

وإئما اخترت بعد الأئمة الأربعة دراسة المجثيدين على مناهجهم؛ لأن ذلك دراسة لفقه الجماعة الإسلامية؛ وتعرف لأدواره: وتقص لثمرات ما غرسه أوائك الأئمة أصحاب. المذاهب الأربعة: فهى تكميل لا إنشاء؛ واستمرار لا ابتداء.

وعندما اتجهت ذلك الاتجادء برز إلى الخاطر إدام شغل عتيرة بفكره ورأيه ومسلكه؛ فدوى صوته بآرأئه فى مجتمعه؛ فتقيلتها عقول واستساغتهاء وذساقت عنها أخرى وردتها؛ وانبرى لمنازلته المخالفون؛ وشد أزره الموافقون؛وهى فى الجممين يصول ويجولء ويجادل ويناضل؛ والعامة من وراء الفريقين قد سيطر عليهم الإء جاب بشخ دمه وبيانه؛ وقوة جنانه

وحدة لسانة؛

واعترتهم الدهشة لما بجئ به من آراء بجدد بعا) أدن هذه الأمة, ويعيد اليها دينها غضاً قشيباً كما ابتدأ.

ذلكم الإسام الجرئ هو تقى الدين بن تيمية صاحب المواقف المشهودة؛ والرسائل المنضودة: اتجيت لدراسته مستعيناً يالله سبحانه؛ لآن دراسته دراسة لجيل؛ وتعرف لقيس من النور أضاء فى دياجير الظلامء ولأن آراءه فى الفقه والعقائد تعتنقها الآن طائفة من الأمة الإسلامية تأخذ بالشريعة فى كل أحكاهها وقوانينها؛ ولأننا نحن المصريين فى قوانين الزواج والوصية والوقف قد نهلنا من آرائه؛ فكثير مما اشتمل عليه القانون رقم 0 لسنة هأغخوذ من آرائه. مقتبس من اختياراته. وشروط الواقفين والوصايا اقتبست أحكامها فى قانونى الوقف والوصية من أقواله.

ثم إن دراسة ذلك الإمام الجليل تعطينا صورة لفقيه قد اتصل بالحياة» وتعلق قلبه وعقله وفكره بالكتاب والسنة والهدى النبوى: والسلف الصالح رضصوان الله عليهم أجمعين» فهو يأتى بفكر سلفى سليم أخذ بأحكام القرآن الكريم؛ والسنة النبوية؛ يعالج به مشاكل الحياة الواقعة بالقسطاس المستقيمء بل يلقى فى حقل الحياة العاملة الكادحة المتوثبة بالبذرة الصّالحة التى استنبطها من الكتاب والسنة فتنبت الزررع؛ وتخرج الثمرء وتؤتى أكلها كل حين بإذن ريها.

وإنا وقد اتجهنا إلى دراسة ذلك العالم الكاتب الخطيب المجاهد الذى حمل السيف والسنان كما حمل القلم والبيان» سنجتهد فى دراسة حياته؛ ومجاوبتها لروح عصره. وتأثيرها فيه؛ ثم ندرس آراءه كعالم من علماء الكلام وآراءه كفقيه؛ واجتهاده؛ والأصول التى تقيد بها؛ ومقدار الصلة التى تريطه يالفقه الحنبلى.

وإنا نستعين بالله. ونسأله التوفيق, فإنه لولا توفيقه ما تيسر لنا أمرء ولا وصلنا إلى غاية. إنه نعم المولى ونعم النصير,

محمد أيوزهرة

وه

المهيذ

([ك بغ ابن تيمية فى الثلث الأخير من القرن السابع والثلث الأول من القرن الثامن.

ومن وقت أن ظهر عالماً بين العلماء؛ ومرجعاً يرجع إليه فى الإفتاء, والناس مختلفون فى شأته بين قادح ومادح؛ وما زال ذلك الاختلاف إلى يومنا هذا؛ فالناس فيه فريقان: قريق غالى فى تقديره حتى رفعه إلى مرتبة فوق كبار أئمة الفقهاء. فتجاوز به أقدار الأئمة الأعلام. كابى حنيفة ومالك والشافعى والليثء ومنهم من حسب أنه لم يصل إلى مرتية الاجتهاد. وما اجتهد فيه فقد تجاوز فيه طوره؛ وتعدى فيه حده؛ بل من الناس من كفره حاسياً أنه خلع الريقة وانطلق من قيود السالفين» وعدا عدوا على الدين.

وإن المشاهد قديما وحديثاً أن الرجل الذى يختلف الناس فى شأنه بين إعلاء وإهواء, لايد أن يكون رجلا كبيراً فى ذات نفسه عظيماً فى خاصة أمره: له عبقرية استرعت الأنظار؛ واتجهت إليها الأبصار, فيكون له الولى الموالى, والعدى المتربص المؤاخذ الذى بتتبع الهفوة؛ ويحصى السقطات.

وكذلك كان ابن تيمية رضى الله عنه, كان عظيما فى ذات نفسه. اجتمعت له صفات لم تجتمع فى أحد من أهل عصره. فهى الذكى الألعى؛ وهو الكاتب العبقرى, وهى الخطيب المصقع؛ وهى الباحث المثقب؛ وهى العالم المطلع الذي درس أقوال السابقينء وقد أنضجها الزمان؛ وصقلتها التجارب» ومحصتها الاختبارات؛ فنفذت بصيرته إلى لبهاء وتغلفل فى أعماقها ٠‏ وتعرف أسرارها؛ وفحص الروايات. ووازن بين الآرا ء المختلفة, وطبقها على الزمانء مع إدراك للقوانين الجامعة؛ وربط للجزتيات, وجمع للأشتات المتفرقة ووضعها فى قرن واحد.

(5! واقد أدته بحوثه ودراساته للثروة الفقهية والعقلية التى كانت بين يديه ميراثاً عن الأسلاف إلى أن يجعل من نفسه حاكما على متخالفها؛ قاضياً فى الآراء المختلفة فى قضاياهاء ولقد سار فى الحكم عليها سير القاضى العادل تسيره المقدمات ولا يسيرهاء وتوجهه البينات ولا يوجههاء وما كانت بيناته إلا كتاب الله وسد'ة رسوله لله وأثار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعينء وها كان منهاجه إلا منهاجهم فى أقضيتهم وأحكامهم؛ فءا يجده سائراً مع الكتاب والسنة وآثار الصحابة أيده ونادى به وما يجده مخالفاً لها جاهن ببطلانه

٠

أياً كان قائله, ومهما يكن ناصره؛ فتحركت بذلك الطوائف المعتنقة لهذه الآراء التى يهدمها- لنازلته ومناهضته ورميه بالشطط ومجاوزة الحد.

- وإنه لم يق يقتصر على الفروع يقضى فيهاء ويحكم على الآراء ء المختلقة بيشأنها؛ بل تكلم في مسائل من علم الكلام, » فتكلم فى خلق القرآن؛ وتكلم فى قدرة الإنسان وإرادته بجوار قدرة الله تعالى وإرادتة؛ وهى المسائل التى أثارها الجهسية والقدرية فى الماضى, وتكلم فى المشتبهات من آيات الصفات ت؛ ووصف الله سبحانه وتعالى بالاستواء؛ وقد فحص هذه المسائل يطريقته غير متقيد إلا بالكتاب والسنة ومناهج الصحابة وكبار التابعين» وبحكم العقل المستقيم, قلم يت يتقيد برأى من جاء بعدهم أي كانت مكانته العلمية: ومنزلته التاريخية, فخالف فى ذلك أيا الحسن الأشعرىء ومكانته بين العلماء مكانته, وأتباعه كثيرون: بل هم الجمهرة العظمى من العلماء فى عصره؛ ورمى الأشاعرة وال ماتريدية بأثهم فى مسالة الإرادة جهمية؛ فعندئذ تصدى له الأتباع مجاهرين بعداوته ورموه بالشطط والخروج والضلال» وكانت بينه وبيئهم حرب عوان نال منهم بالقول وألبرهان: ونالوا منه بالزج فى غيابات السجن؛ وتأليب ذوى السلطان,

. 4- ولم يكتف بأن يثير عليه خصومه من الفقهاء والمتكلمين فقطء بل أثار صوت الحق الذى كان ينطق به طائفة أخرى أشد لجباً؛ وأقوى على العامة سلطاناً؛ تلك هى الصوفية جاهر بمخالفتهاء وندد بطرائقها؛ وأعلنها عليهم حرياً شعواء؛ ورماهم بالشعوذة: وإفساد النفوس؛ وأنكر عليهم ما ينشرونه بين أتباعهم من التوسل بالأولياء والصالحين: وعد ذلك من قبيل اتخاذ المخلوقين شفعاء للخالق ليقريوهم إليه زلفى» كما كان يقول المشركون فيما حكاه الله عنهم إذ قال: (ما نعبدهم إلا ليقريونا إلى الله زلقى)(') إذ شدد ابن تيمية النكير؛ وبالغ فى التشديد؛ ولم يترك مجالا يمكنه أن يعلن فيه ترهات بعضهم إلا أعلنهاء واشتد اللجب فى الخصومة بينه وبينهم, والتقوا للمناظرة والمجادلة؛ وما كان يخفى أمراً من أمرهم, فما كان يخفى فى نفسه شيئاً لا يبديه لهم؛ بل إنه ذهيت جرأته إلى أن يعلن على رءوس الأشهاد أنه لايصح الاستغاثة بأحد من الخلق؛ ولا بمحمد سيد الخلق: وجار بذلك فى الجموع الحاشدة؛ ولم يفرق فى إعلان آرائه بين العامة والخاصة:ء فهو يقول للعامة ما يقول للخاصة؛ لأنه يعتقد أنه دين» وواجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يلزمه بإرشاد كل ضال فى اعتقاده. سواء أكان من العامة أم من الخاصة, بل إن هداية العامة ألزم؛ لأن العالم مسئول عن إرشادهم؛

/

وإن ضلوا وهى يستطيع الإرشاد وإنارة السبيل فعليه وزر من وزرهم؛ فإنه كان يأخذ بقول على رضى الله عنه: (لا يسأل الجهلاء لم لم يتعلمواء حتى يسأل العلماء لم لم يعلموا).

ه- واسترسل فى إعلان آرائه استرسال العالم اأدريق الوثيق فى حجته وقد آتاه الله لساناً مبيناًء وقلياً حكيماء وقلماً عليما؛ ولم يكتف بما «سبق؛ بل هاجم الشيعة هجوماً عنيفاً بقلبه وقلمه ولسانه؛ لأنه حسبهم مالئوا خصوم الإه. لام من الصليبدين على المسلمين وكشقوا عورات المؤمنين وحسبهم مالئوا التتار على السكان الآمذين» ومكنوهم من رقابهم وأرضهم يعيثون فيها فساداً؛ فجرد عليهم ذلك الفارس الذى حارب التثار بسيفه. قلماً عضباً ولساناً حاداً» وأخذ يرد أصولهم؛ ويدحض حججوم غير وان ولا كسل؛ ودون الرسائل الكاشفة؛ وقد رأى فى حال الشيعة الذين عاصروه من الباطنية والحاكمية وحال النصيرية, وطرائقهم السرية ما جعله هووسائر المعاصرين يتظنون فيهم الظنون, ويقبلون عنهم الأقاويل؛ فكان قوله فيهم يتفق مع ذلك كله, ذلك بأنهم كتموا أمورهم وأسرو) فى أنفسهم وجماعاتهم ما لا يبدونه؛ وبالغوا فى الحرص والكتمان؛ وكانوا يدبرون التدابير لاغتيال الزعماء والكبراء من أهل الجماعة الإسلامية, وظهرت أآثار ذلك منهم فى القرن السادس والسابع وتسامع الناس به. وام يعد أمره خفياً وكانت المعركة قائمة مستعرة الأوار بين أهل الإسلام وحملة الصليبء فكان للظن ما يسوغه ويسهل قبوله.

1- خاصم ابن تيمية كل هؤلاء؛ وليس الغريب أن يكون له من بينهم قادحون:؛ يورثون قول السوء فيه لأخلافهم: بل الغريب أن يستمر فى دعوته وتألييهم عليه من غير خوف, وليس الغريب فى أن يقضى سنين فى غيابات السجنء بل الغريب ألا يعثدوا عليه بأيديهم

وما السبب فى أنهم لم يمدوا أيديهم بالأذى البدنى إلا مرة واحدة أثار الصوفية فيها العامة فى مصرء وهو يلقى درسه؛ فامتدت بعض الأيدى إلى جسمه بالأذى: وسرعان ما ارتدت كلية إلى صاحبها.

السبب فى ذلك أنه كان رجلا مخلصاً ابتدأ حياته محبوباً من ااكافة, وكان من الواضح للعامة والكافة إخلاصه: فهى الفقيه العالم الذى يجاهد بسيفه فى سبيل الله ولم يقتصر على الجهاد بعلمه وقلمه ولسانه. بل جرد السيف لقتال التتار, وككان شجاعاً فى هيدان القثال: كما كان شجاعاً فى ميدان العلم والسياسة:؛ ذهب على رأس وفد من دمشق

9

يدعى قازان ملك التتار إلى منع العبث والفساد. وخاطبه بقلب جرئ” ولم يتردد في أن يصف أعمال ذلك الملك العسكرى القاسى فى جبروته بوصفها الحقيقى.

وكان مع العامة درعاً حصينة فى كل بلاء ينزل بهم يتافح عنهم بلسانه وقلمه وسيفه, ويشاركهم فى ضرائهمء فكانت القلوب تصغى إليه. والأفئدة تهوى نحوهء فسهل ذلك قبول قوله. وإن كانت فيه مجاهرة بمخالفة المألوف المعروف عند الملماء فكانت أعماله شاهدة بسلامة دينه.وقوة يقينه؛ والأعمال تسترعى الأنفس أكثر مما تسترعيها الأقوال؛ وفوق هذا كانت له شخصية رهيبة قوية» ونفس حلوة جذابة؛ وقلب رءوف خافق؛ وعقل جبار تافذ: وإرادة قوية حازمة؛ وكل أوائك يجعل له عند الناس مكانة؛ ويجعلهم يقبلون ما يقول؛ أى على الأقل إن يخالفوه لا ينايذوه؛ وإذا أضيف إلى ذلك لمعان حجته. وفصاحة بيانه. وقوة بلاغته, علمنا تحت أى تأثير كان المستمعون له؛ فوق أنه كان ينهل من العذب الصافى: والورد المورود إلى يوم القيامة. وهو كتاب الله تعالى وسنة رسول الله مَل فهى ياخذ بالباب المستمعين إلى المحجة البيضاء؛ وكان كثيرون من الدهماء يصغون إليه؛ وكثيرون من الخاصة:

ولذلك وجدنا الذين يكيدون لذلك العالم الجليل من العلماء المعاصسرين يكيدون له عند السلطان, ولم نجد من العامة إلا قليلا تحت تأثير عوامل اصطناعية لا طبيعية: وكان ذلك يحدث فى مصر لا فى الشامء إذ فى الشام يعلمه العامة والخاصة؛ وفى مصر لم يكن معلوماً لكثيرين من العامة, فكان من السهل إثارتهم عليه.

1- هذه لمحات لتلك الشخصية الرائعة التى نحاول وضع أيدينا على مفتاحها؛ وتعرف خواصها! واستكناه حقيقتهاء وتقصى أخبارها؛ ونتتيعهاء وصاحبها صغير إلى أن يبلغ أشده؛ ثم استوى رجلا قوياً» وعالماً علياً.

وإن سيرته نيرة مبسوطة مذكورة: ذلك بأن تلاميذه الذين أخلصوا له فى حياته وبعد وفاته» تقصوا حيانه؛ وبسطوا الوقائع التى نزلت به والتى اعترك فيها مع غيره؛ وبعض أوائك قصوها علينا قصصاً واقعياً موضوعياًء ولم يضفوا على الأخبار بمبالفات الخيال؛ ذلك لأنهم شاهدوا وعاينواء فأكتفوا يتدوين شهادتهم وعيانهم.

' 5

وإن سرد الوقائع من غير توسيعها بالخيال؛ يسهل على الدارس دراسة الشخصية دراسة علمية؛ يرد النتائج إلى مقدماتها؛ والفروع إلى أصولها؛ والآثار إلى المؤثر فيها.

ولذلك لا نجد الصعوبة التى كنا نجدها عند دراسة الأئمة الأربعة» وتعرف أشخاصهم من سيرتهم التى دونها كتاب المناقب» فإنا كنا نجد مبالغة وإغراقاً فى المدح بالمعقول وغير المعقولء فكان استخلاس الحقيقة من بين المدون المسطور صعباً عسيراً.

أما هنا فإنا نجد السيرة مدونة تدويئاً صحيحاً خالياً فى أكثر الأحوال من المبالغة؛ وإن بالغ بعض الكتاب: فإن تمييز الحق الصحيح من بين ثنايا المبالفة سهل با موازنة بين الكتايات.

8- واكن إذا كان تعرف شخصيته الإنسانية من وقائع سيرته سهلا يسيراً؛ فإن أمراً آخر يعترضنا فى تعرف شخصيته العلمية» إذ أن تعرفها صعب عسيرء بل أصعب من تعرف الشخصية العلمية للأئمة السابقين, كالإمام أبى حنيفة: والإسام مالك وغيرهما؛ لأن العلم فى عهدهم كان يؤْخذ بالتلقى؛ إذ أنه كان فى الصدور؛ ولم يخرج إلى الكتب والسطور, فكان من السهل أن تعرف كيف تكونت شخصية الإمام العلمية؛ لأننا نتتبع الشيوخ الذين التقى بهم ومناهجهم؛ فمعرفة الشيوخ تسهل معرفة ما تلقاه التلميذ. ومن معرفته؛ ومعرفة ها أنتج هى نستطيع أن نمرف مقدار الأثر العلمى الذى تركه: ذلك بأن العالم الحق هو الذى يتغذى مما تركه من سبقه؛ ويقدم غذاء جديدا لمن يجئ بعده.

أها ابن تيمية فقد جاء فى القرن السابع والمذاهب مدونة؛ والسنة مبسوطة؛ في كتبهاء والعلوم المختلفة قد دونت فى موسوعات ضصخمة؛ فكل العلوم من فلسفية ودينية ولغوية وتاريخية قد دونء فلم يعد من السهل معرفة الشيوخ الذين تلقى علبهم: لأنه لا يتلقى فقط من الأشخاص الأحياء: بل يتلقى من الذين سبقوه بأجيالء بالكتب الثى أورثوها الناس, ورب كتاب يقرؤه الشادى فى طلب العلم فاحصاً مستومباً يوجهه أكثر من معلم يوقفه

«

ويقرته. 9- وإن ابن تيمية بلا شك تلقى على شيوخ قرأ عليهم الحديث وعلوم اللغة وعلوم الدين من تفسير وفقه وعقائد» وغير ذلك من العلوم التى كانت معروفة فى عصره. وكانت ١١‏

من العلماء الفطاحل؛ ولجده كتب فى أصول الفقه الحنبلى مبسوطة قيمة: وهى فقيه من فقهائه ذوى القدم الثابتة فيه.

بيد أنه لايد أن نفرض حتما أن ابن تيمية لم يقتصر فى دراسته على العلوم التى تلقاها من شيوخه الذين شافهوه؛ بل إن التكوين الأكبر لفكره وعقله يرجع إلى ما قرأ وفحصء لأنه أتى بجديد لم يكن فى شيوخه من يعرفه؛ ومن له قدم فيه؛ فنراه درس الفقه كله دراسة مقارنة واضحة: متعرفاً أسراره وغاياته؛ ونراه على إلمام بأصول المذاهب الإسلامية المعروفة بين الجماعة الإسلامية: ونراه دارساً فاحصاً, ثم نرى له تأملات فلسفية عميقة استخرج بها فاسفة الشريعة سائفة سهلة القبول.

وعلى ذلك لابد أن نفرض أنه قرأ كل الثمراث العقلية والفلسفية والدينية التى زخر بها عصر فلايد أن نفرض أنه قرأ كتب الفلاسفة؛ والردود عليها؛ وكتب الغزالى» وابن رشد: وغيرهماء بل إنا نجد فى بعض مذاهجه فى علم الكلام تلاقياً فكرياً بينه وبين الغزالى أحياناً؛ لايمكن أن يكون من محض المصادفة؛ لابد أنه اطلع على الرسائل الفلسفية لإخوان الصفا التى حاول أصحابها منحرفين ومستقيمين أن يدرسوا الشريعة على ضوئهاء وإنه من المجزوم به أن يكون قد اطلع على المحلى لاين حزم.

وهكذا فهىقد درس كل العلوم الإسلامية التى كانث مدونة: وتضافرت بذلك الأخبار, ثم أخرج مما درس عنصراً حي قوياً أمد به جيله والأجيال التى جاءت بعده. ٠‏

ولم يكتف بالدراسة الإسلامية؛ بل درس غيرهاء ولعل أظهر ما يدل على ذلك كتابه (القول الصحيح فيمن بدل دين المسيح) فإنه يكشف عن كاتب هلم إلماماً بالديانة المسيحية فى أصلهاء وكمأ راجت فى عصره.

٠‏ - ومن هنا نجد الصعوبة فى دراسة شخصية ابن تيمية العلمية: فإننا لانستطيع أن نحصى الينابيع التى استقى منهاء ولا أنواع الغذاء العقلى الذى تغذى بها عقله؛ فأنتج ما أنتج» ووصل إلى ما وصل إليه.

وسواء أعلمنا على وجه اليقين ذلك أم لم نعلم: فمن المؤكد أن المجموهة العلمية التى سجلها التاريخ لابن تيمية فى سجل الخلود هى فريدة فى بابهاء لم يكن فى نهجه فيها تابعاً مقلداً أو حاكياً؛ بل كان مستقل الفكر الذى لم يحاك أحداً سبقه فى كتابته, وإن كان لكل ما

١

سبق من أثار علمية دخل فى تكوينه الفكرى والعلمى» فهو وإن كان قد تغذى من علم

السايقين: قد أتى بأمر هى خلاصة ما انطبع فى نفسه؛ واستقام فى فكره, كالجسم يتغذى

من كل غذاء, ثم يكون من ذلك مزيج فيه كل العناصر التى تغذى منها. ولكن له خواص تجعله

ليس واحداً منهاء وليس على شاكلة أى واحد منهاء وكذلك كان ابن تيمية رضى الله عنه. وسنحاول أن نبين ذلك ما استطعنا إليه سبيلا. ,

-١‏ هذه إحدى الصعويات التى تعترضنا عند دراسة ذلك العالم الجليل. وهناك صعوبة أخرى» وهى عصرهء فعصره امتان بكثرة الأحداث, وتواليها وتعدد أنواعهاء فدولة الإسلام قد انحلث إلى دويلات صغيرة» كان بأسها بينها شديداً؛ كل واحدة تنتهز الفرصة للانقتضاض على الأخرىء وحسار الملك عضوضاً ولم يعد له قرار ثابت, فتعددت الأسر المالكة وتعدد المتنافسون عليه, وكل رامه؛ وكل ذى جند أراده, فتزلزل السلطان: واضطريت الأمور. وصارت الشعوب الإسلامية نهباً مقسوماً للمتنافسين من طلاب الملك والمتنازعين فيه.

حتى إذا أغار الصليبيون على عقر الإسلام وراموه بسوء وجد من الملوك ذوى الغيرة فى مصر والشام من صدوا جموعهم؛ ولم يطمئن المسلمون قليلا حتى انثال عليهم التتار انثيالا» وكأنهم يأجوج ومأجوج من كل حدب ينسلون؛ وكانت الفرق التى تعمل فى الباطن قد أخذت تدس للجماعة ما يزيدها انقساماً, وتجعل الخلاف أشد احتداماًء ولى تجاوزنا الآفاق واتجهنا الى الأندلس جنة الإسلام فى الدنيا لوجدناها قد انقسمت إلى دول صغيرة؛ حتى صارت كل مدينة دولة قائمة بذاتهاء والعدى يقتنصها واحدة بعد الأخرى» حتى انقض١‏ , آخر الأمر من بعد ذلك العصر على البقية الباقية» فالقاها فى اليم من غير رحمة ولا ش ءة, وهل يتتظر الرحمة من الأعداء, إلا من ينتظر من النيران الماء,

هذا إجمال للعصر الذى عاش فيه ذو القلب المؤمن المتوثب ابن تيمية, وإذا كان الإنسان ابن بيئته ونتاج عصره. وهى فى ذلك كالبذرة الصالحة لا تنبت نباتاً طيباً إلا فى جو يلائمها ؛ وأرض تغذيهاء فكذلك الرجل العبقرى يبادل عصره. ويتغذى من حلوه ومره: ويتجه إلى إصلاحه من بعد؛ ولذلك كان لابد من نظرة إلى ذلك العصر الذى عنى ذلك الفقيه العظيم بالامه وأوصابه ودراسته ليست سهلة لتشعب نواحيه وتعدد مناحيه. ..

١

-١١‏ وإننا يعد دراسة حياته وعصره. لا نجد من السهل دراأسة علمه. لأنه لم يكن متخصصاً كالائمة السابقين, فابى حنيفة كان فقيهاً ولم يعرف إلا بأنه فقيه, وإن كانت له فى صدر حياته جولة فى دلم الكلام؛ فقد اطرح الخلاف فى علم الكلام إلى التخصصض فى الفقه واستنباط الأحكامء ومالك كان فقيهاً ومحدثاً ولم تكن قد تميزت التفرقة بين الفقه والحديث تمييراً كاملاء والشافعى وإن كان الفصيح الأديب قد تخصص فى الفقه وأصوله وهكذا... ولذلك كانت دراسة علومهم سهلة: لأنها ناحية واحدة؛ والنواحى الأخرى كانت آراء اعتنقوها بوصف كونهم علماء مسلمين, لا بوصف كونهم متخصصين: أما ابن تيمية فجولاته فى الفقه جعلته فقيه عصره. وجولاته فى علم الكلام جعلته أبرز شخصية فيه. وتفسيراته للقرآن الكريم» ودراسته أصول التفسير ووضعه المناهج لهاء جعلته فى صفوف المفسرينء وله فى كل هذه العلوم آراء مبنية على فحص ودراسة: ويعد أول من جهر يها وإن كان يقول أنها مذهب السلف وليست بدعاً ابتدعه. ولا يديئاً ابتكره, وإنما هى رجعة إلى حيث كان الإسلام فى إبان مجهه أيام كان غضاً لم تلق عليه السنون غبار التقائيد والنسيان.

ولابد من دراسة هذه التواحى العلمية كلهاء وتعرف جولاته فيهاء وما خالف فيه أهل عصره ولا يصح أن يكتفى بناحية عن الأخرى, فلا يصح الاكتفاء بدراسة فقهه, وترك ما أثار من أراء فى علم الكلام؛ فنكون قد أهملنا شطراً كبيراً من حياته؛ قد لاحى عن رأيه فيه؛ وبسببه لبث فى السجن بضع سنينء ولا يصح أن تكتفى بدراسة مسائل علم الكلام, ونترك فقهه. وهى فقيه عصره الأكبر.وقد وصل بدراساته الفقهية إلى مرتبة الاجتهاد كما ذكر معاصروه؛ وخالف فى كثير من المسائل الأئمة الأربعة» وقد مات قى السجن بسبب مخالقته فى مسائل فى الطلاق وغيرها هما أفتى فيه.

١١-رإذ!‏ اتجهنا إلى دراسته باعتباره فقيهاً من غير إهمال النواحى الأخرى, فإن تعيين مرتبته فى الاجتهاد ليست أمرأً هيناً ليناً» فإنه بدراسته الأولى كان حتبلياً؛ ولم يقطع صلته بالمذهب الحنفى قط, وكان يعتبره أمثل المذاهب, لأنه أكثرها اتباعاً للسلف الصالح, ولذلك فضل من البيانء سنذكره فى موضعه إن شاء الله تعالى.

ولقد كانت أسرته كلها حنبلية؛ واقد أتم عملا لأبيه وجده فى فقه الحنابلة وأصوله, فقد ذكر العلماء فى المذهب الحتبلى أن من كتب الأصول فى مذهب أحمد مسودة بنى تيمية, ١‏

موضع دراسثنا.

فكان حتبلياً بنشأته وأسرته وثقافته الفقهية, وميله فى دراسته؛ مع أن له اختيارات من غير مذهب أحمد, بل له اختيارات حلق بها فى أفق الكتاب والسنة وفتاوى الصحابة وأقضيتهم؛ ووصل فيها إلى نتائج تخالف ما عليه الأئمة أصحاب المذاهب الأربعة, كفتواه فى الحلف بالطلاق» وعدم إيقاع الطلاق بها. وكفتواه بأن الطلاق الثلاث بلفظ الثلاث أو فى مجلس واحد يقع طلقة واحدة. فإنه فى هذه المسائل وأشباههاء اجتاز دائرة الاختيار من المذاهب الأربعة إلى الكتاب والسنة وأقوال الصحابة. غير ملتفت إلى ما وراء ذلك.

وإذا كانت هذه حاله؛, ففى أى مرتبة من الاجتهاد يكون وضعه. أهى مجتهد مطلق كالأئمة الأربعة: أى أصحاب أبى حنيفة؛ كابى يوسفء ومحمد بن الحسن وزفر بن الهذيل. فإن هؤلاء الصحاب مجتهدون مطلقون (كما هو رأيتا). أم هى مجتهد منتسب تقيد بالأصول الحنبلية» وسار على نهجهاء وإن كان قد وصل إلى نتائج فى الفروع تخالف الحنابلة, بل تخالف كل فقهاء المذاهب الأربعة.

إن هذه مسالة تقتضى تتبع الفروع التى خالف فيها أحمد وغيره. والأصول التى بثى عليها أحكام تلك القروع فيما انتهى إليه, وفحص هذه الأصول على ضوء الأصول الحنيلية, فإن كانت داخلة فى عمومها تمير بعيدة عن منهاجهاء قررنا أنه مجتهد منتسب؛ لأنه مقيد بأصول المذهب الحنبلى فهى منتسب إليه؛ واجتهاده كان فى الفروع لا فى الأصولء وإن كانت الأصول التى بنى عليها مخالفة فى بعض الأحكام أنواعاً جديدة ليست داخلة فى عموم أصول أحمد, فإئه مجتهد مطلق خلع قيد التقليدء والاتتساب إلى الحنيلية معاً.

وإن هذه الثتيجة لا يمكن الوصول إليها إلا بعد دراسة آرائه الفقهية دراسة عميقة, فإننا نجد فيها الهادى المرشد إلى تعرف قيمة فقهه عامة, ومدى اجتهاده فى المسائل التى خالف فيها خاصة,

4- وإن السبيل المعبد للكشف عن قيمة ما وصل إليه هى دراسة كثبه ورسائله, وهى فياضة بثمرات عقله؛ بل إنك تستمع فيها إلى خفقات قلبه: وتلمس منها مشاعر تقسه. م١‏

وإنه لكى يتجلى عمله بالنسبة لغيره؛ لابد أن ندرس آراء غيره فيما خالف فبه؛ لأنه بالموازنة بين الدليلين نعرف أهدى الرأيين والصواب منهماء وإنه لكى يتجلى ذلك تمام التجلى لابد أن نتكلم كلمة عن الفرق التى هاجمهاء فقد وجدناه هاجم الشيعة. واختص بالمهاجمة الباطنية وااحاكمية والنصيرية الذين كانوا فى عصره: فلابد من إلمامة موجزة بيعض أخبار الشيعة ومناهجهم, ووجدتاه قد هاجم الجهمية. وهاجم الأشاعرة فى مسالة الجبر والاختيار, فكان لايد من معرفة ما رأه الجهمية فى هذه المسألة, وما رآه الأشاعرة والفرق بينهماء ثم ما رآه هوء والفرق بينه وبين دا رآه المعتزلة, فإن ذلك يكون توضيحاً لأساس الخلاف ومناحيه, وفوق ذلك يكون توضيحاً لعقلية ابن تيمية؛ ولقد تكلم فى خلق القرآن ووضح الأقوال فيه, فلايد أن نمس أدوار هذه المسالة.. وهكذا ... وترى أيها الباحث أن الرحلة فى هذا شاقة., وقد بعدت الشقة فى نواحيهاء ولا معين إلا الله سيحانه وتعالى على بيائها.

ولا ننسى فى هذا المقام أن نشير إلى مواقفه فى الدفاع عن الإسلام عند وجود مهاجمة لمبادئه من بعض النصارى فى قبرص؛ فتصدى للذود عنهاء والترصد لهم يقلمه, كما

ترصد التتار بسيفه.

وإنا نضرع إلى الله جلث قدرته أن يمدتا بعونه وتوفيقه وهدايته إنه على ما يشاء

جٍِ 3

ال

القسم الأول حياة ابن تيمية 11١‏ - لكلا

ولإدته وأسرته

6 - هى أحمد تقى الدين أبى العباس بن الشيخ شهاب الدين أبى المحاسن عبد الحليم بن الشيخ مجد الدين أبى البركات عبد السلام بن أبى محمد عبد الله بن أبى القاسم الخضر بن على بن عبد الله, وتعرف هذه الأسرة بأسرة ابن تيمية(١)‏

ولد فى العاشر(' من شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة من بعد الهجرة النبوية» وكان مواده بمديتة حران مهد الفلسفة والفلاسقة. والصايئة والصابئين من أقدم عصور الإسلام. وقد نش التنشأة الأولى فيها إلى أن بلغ السابعة من عمرهء فأغار عليها التتار» ففر أهلوها منهاء وكان ممن.هاجر أسرة ابن تيمية» هاجرت إلى دمشقء ولم يكن الطريق خالياً من الأعداء. بل لم يكن أمناً؛ ولم يكن معبداً, ولقد لاقوا مشقة فى السفرء فقد سافروا ليلا هاربين» وهى أسرة علم؛ أثمن متاعها الكتبء فهى للعلماء متاع وثروة وغهذاء وحلية نقيسة, وحملها فى الانتقال والرحلة شاق عسير .

وخصوصاً إذا كان الانتقال فراراًء وقد نقلوها على مركبة لعدم توافر الدواب التى تحملهاء ولأنها يشق حملها على الدواب» وقد كاد العدى يلحقهم لتوقف العجلات عن السيرء فاستعانوا بالله ونجوا من القوم الظالمين .2 ' )١(‏ اختلق العلماء في علة تسمية الأسرة بابن تيمية. فقيل إن جده محمد بن الخضر حج على درب تيماء. فرأى هناك طفلة اسمها تيمية؛ ثم رجع فوجد امرأته ولدت بنتا فسماها تيمية؛ وقيل إن جده محمداً كانت أمه واعظة وكان اسمها تيمية, فنسبت الأسرة إليها وعرفت بها . (؟) أكشر الروايات على أنه ولد فى العاشر. وقليل من المؤرخين من يذكر بجوار هذه الرواية أنه ولد فى الثانى عشر من ربيع الأول ولعلهم يريدون أن يقولوا إنه ولد فى مثل اليوم الذى ولد فيه النبى عله , لأنه سيحيى شريعته ,

١7

١‏ - وصلوا إلى دمشق يعون الله واستقروا فيها أمنين: وكل ذلك وذو النفس المرهقة الحس يرى ويسمع ويدركء وهى الفلام أحمد تقى الدين: فقد رأى الهول الأكير فى غارات التتار المفسدة:ء ورأى الفزع الأكبر فى السكان الآمنين» يهبرعون إلى النجاة؛ وما يكادون ينجون: ثم رأى أسرته تعانى مشقة الطريق» ومشقة حملها الثمين؛ وتخاف الضيعة:؛ رأى كل ذلك ااغلام الذكى المحسء فانطبع فى نفسه صغيراً كره التتار, وكره الاعتداء. ومن هذا الابتداء نعرف بعض السر قيما كان منه: وقد استوى رجلااذ مكتمل القوى: فقد كان يقود الجحافل لقتالهم مع أنهم أعلنوا الإسلام وأعتنقوه. وصار شأنهم كشأن غيرهم من طوائف الإسلام؛ واكنه رأى من ماضيهم البغى والعيث فى الأرض فساداً؛ فعلم أنهم إن كانوا مسلمين فهم بغاة يجب قتالهم حتى يتويو) أى يقدر عليهم؛ فقاتلهم لهذاء واتخرج من تحت سلطانهم الشعوب التى يهضمونها حقوقهاء ويعيثون فساداً فى أرضها .

١‏ - لم يذكر المؤرخون الذين قرأت لهم القبيل الذى تنتمى إليه أسرة ابن تيمية؛ فلم يذكروا له نسبة إلا أنه الحرانى فنسبوه إلى بلده حران موطن أسرته الأولء ولم ينسبوه إلى قبيلة من قبائل العرب, وإن هذا يشير إلى أنه لم يكن عربياء أو لم يعرف أنه عريى منسوب إلى قبيلة من القبائل العربية, وإذلك نستطيع أن نفهم أو أن نعلم علماً ظنياً أنه لم يكن عربياً؛ ولعله كان كردياًء وهم قوم ذوو همة ونجدة ويأس شديدء وفى أخلاقهم قوة وحدة؛ وإن تلك الصفات كانت واضحة جلية فيه مع أنه نش فى دعة العلماء. واطمئنان المفكرين وهدوء المحققين. وإن الأكراد كانت لهم فى القرن السادس والسابع ال مواقف الرائعة فى الدفاع عن . الإسلام والمسلمين» فوقفوا في صدر الجبهة الأولى للإسلام ضد الصليبيين» وتلقوا الصدمة الأولى» ثم الصدمات التى تليها حتى أيئسوا الصليبيين من التحكم فى الإسلام؛ أو على الأقل فلوا من حدتهمء وخضدوا من شوكتهم, حتى أعادوهم هم والمصريون من بعد ذلك إلى بلادهم محطومين .

وأم يذكر المؤرخون شيئاً عن أمه. ولاقبيلها وهى فى الغالب ليست عربية, ولقد عاشت إلى أن اكتمل مجد ابنهاء وعاونته فى جهاده. وعندما كان بمصر معتقلاء كان يكتب إليها رسائل تفيض براً وعطفاً وإخلاصا وإيماتاً ,

4 - انتقلت أسرته إلى دمشق واستقر بها المثوى» والعالم الجليل حيثما حل وجد مكانه من الهدى والإرشاد وكذلك كان الشيخ شهاب الدين والد تقى:الدين موضع بحثناء 16

فإنه بمجرد أن وصل إلى دمشق ذا ع فضله واشتهر أمره فكان له كرسى للدراسة والتعليم, والوعظ والإرشاد؛ بجامع دمشق الأعظمء وتولى مشيخة دار الحديث السكرية: ويها كان سكنه. وفيها تربى ولده ثقى الدين(!)

ومما لوحظ على درس ذلك العالم الجليل أنه كان يلقى دروسه غير مستعين بقرطاس مكتوب أو كتاب يتلى منه؛ أ مذكرات ليستعين يهاء بل كان يلقى الساعات من ذاكرته الواعية: وعقله المستذكرء وهذا يدل على ققوة الحافظة؛ والقدرة على البيان؛ وثبات الجنان: وهى الصفات التى برزت فى ابنه, وكانت من أخص صفاته التى كان يقرع بها الحجة: ويشده لها المجاوب: ويتحير لها المناظرون الأقران. ١‏

نشأ الغلام فوجد أياه على هذا القدر من العلم والتقدير فكان ذلك موجهاً له إلى العلم, وفى الواقع أن الأسرة كلها قد توارثت العلم والنزوع إليه. فقد كان جده مجد الدين عا ماً جليلا يعد من أئمة الفقه الحنبلى المخرجين فيه. وله كتابات فى أصول قيمة؛ وقد رحل. إلى البلاد فى سبيل العلم؛ ودرس وأقتى وانتفع به الطلبة؟" وله كتاب المنتقى فى الأحكام .

وكان قد تلقى العلم هن عمه فخر الدين؛ وكان عالماً وخطيبا وواعظ أ . وجمع تفسيراً للقرآن حافلا فى مجلدات ضخامء وقد تخرج على ابن الجوزى خطيب بغداد وواعظهاء وحل محله فى الوعظ فيها ,

نشاتك

9 - هذه أسرة تقى الدين بن تيمية؛ وهى أسرة علم امتازت بقوة البيان» وقوة الذاكرة» وحبست نفسها على العلم, وكان من النتائج لهذه البيئة العلمية أن يتجه الفتى الناشئ: فيها إلى العلم, فاتجه إليه الغلام ابن تيمية صغيراً؛ فحفظ القرآن الكريم منذ حداثة سنه. واستقر حافظاً له إلى أن قاضت روحه إلى ريهاء حتى أنه تلا فى السجن القرآن » وختم ثمانين ختمة أو تزيدء فقد كان أعظم عدته؛ وأسعف ذخيرته ,

' واتجه بعد حفظ القرآن إلى حفظ الحديث واللغة؛ وتعرف الأحكام الفقهية: وحفظ ما يسعفه به الزمن وقد بدا فيه منذ صغره ثلاث من مزاياهء هى التى تمت وظهرت ثمراتها فى كبره. ٠١‏ (1) توفى والد ابن تيمية سنة 141 بدمشقء راجع تاريخ ابن كثير ج ١!‏ ص 5 . )1١(‏ توفى جد ابن تيمية يحران سنة 07 راجع تاريخ ابن كثير ج ؟١‏ ص ١08‏ , 19

0

أولاها: الجد والاجتهاد, والانصراف إلى المجدى من العلوم: والدراسات. لايلهى لهو الصبيان, ولا يعبث عبثهم .

وثانيتها : تفتح نفسه وقلبه لكل ما حوله يدركه ويعيه. فلم يكن الغلام المنقطع عن الأحياء والحياة إلى الحفظ والاستذكار فقط .

والثالثة : الذاكرة الحادة: والعقل المستيقظ والفكر المستقيم, والنبىخ المبكر.

٠‏ - وقد كانت ذاكرته حديث زملائه من الفتيان: بل تجاوز صيته دائرة الصبيان إلى دائرة الرجال. وتسامعت دمشقء وما حولها يذكائه ونبوغه .

جاء فى كتاب العقود الدرية فى مناقب ابن تيمية ما نصه. (اتفق أن بعض المشايخ العلماء بحلب قدم إلى دمشق؛ وقال: سمعت فى البلاد بصبى يقال له أحمد بن تيمية: وأنه سريع الحفظ, وقد جئت قاصداً لعلى أراه. فقال له خياط : هذه طريق كتّابه. وهى إلى الآن ها جاء؛ فاقعد عندنا الساعة حتى يجئ ... فجلس الشيخ الجليل قليلاء فمر صبيان» فقال الخياط للشيخ الحلبى هذا الصبى الذى معه اللوح الكبير هى أحمد ين تيمية: فناداه الشيخ فجاء إليه. فتناول الشيخ اللوح؛ فنظر فيه ثم قال: يا ولدى امسح هذا حتى أملى عليك شيئاً تكتبه ففعل, فأملى عليه من متون الأحاديث أحد عشر أو ثلاثة عشر حديثاً؛ فقال: أقرً هذاء فلم يزد على أن تأمله مرة بعد كتابته إياهء ثم رفعه إليه. وقال؛ اسمعه؛ فقرأه عليه عرضاً كلحسن ما أنت سامع: فقال: يا ولدى امسح هذا ففعلء فأملى عليه عدة أسائيد انتخبهاء ثم قال اقرأ هذا فنظر فيه كما فعل أول مرة فقام الشيخ وهى يقول: إن عاش هذا الصبى ليكونن له شأن عظيمء فإن هذا لم ير مثله) .

١‏ - تلك قصة تروى عن شخص التقى به؛ وراويها أحد تلاميذهء وتبدى القصة عارية عن المبالفة, بعيدة عن الغلى. فإنه مما تضافرت به الأخبار عن الإهام مالك رضى الله عثه, أنه كان يستمع من ابن شهاب بضعة وثلاثين حديثاً ثم يتلوها فى الجلسة؛ ومنها حديث السقيفة: وإن كان ثمة فرق فهو بين العصرين, فعصر مالك كان عصر حفظء الاعتماد فيه على الذاكرة لاعلى الكتبء ومن شان ذلك أن يقتوى الحافظة ويرهفهاء لأن من المقررات المستمدة من الاستقراء أن العضى الذى يكثر عمله يقوى ويشتد أما عصر ابن تيمية فكان عصر التدوين والتسطير والكتابة وليس من شأته أن يقوى الحافظة للاعتماد على المسطور دون ما فى الصدور .

7

ومهما يكن فمن الثابت أن ابن تيمية رضى الله عنه قد تاه الله ذاكرة واعية منذ صباهء والذاكرة كما يقرر علماء النفس والتربية هى المقياس الأول للذكاء قوة وضعفاً» ويظهر أن قوة الذاكرة قد ورثها ابن تيمية عن أسرته, فقد رأينا أن أياه كان يمتان بأنه يلقى دروسه فى الجامع الأكبر يدمشق غير معتمد على كتاب: وقد كان مختصاً بذلك من بين قرنائه وزملاثئه والولد سر أبيه, فلا عجب إذا جاء ابن تيمية مختصاً بما الختص به أبوه. وزاد ذاكرته قوة وإرهافا من بعد المواقف الجلّى التى كانت تحتدم بالجدل بينه وبين مخالفيه من الفقهاء وعلماء الكلام والصوفية والشيعة وغيرهم.

5- اتجه ذلك الغلام منذ صغره والعود أخضر إلى العلم ينهل من مناهله ويأخذ من ينابيعه؛ وأم يكن من المعقول أنه اتجه إلى غير العلم فى صدر حياته؛ ثم عدل عنه إليه؛ ولم يكن من المعقول فرض ذلك, لأن أسرته كانت من الأسر التى اتصرفت للعلم والخطابة والوعظ والتأليف فى الفروع وفى الأصولء وقد رأيت بعض أخبار أجداده وأبيه فى هذا البحث؛ وأن أباه كانت له منزلة خاصة: فقد كان على مشيخة الحديث فى بعض مدارس دمشقء فكان المنطقى أن ينصرف إلى العلم منذ نشاته. لأنه لا يتصور مثله, فلم يكن أبوه تاجراً كواد النعمان أبى حنيقة. فكان ينصرف إلى الأسواق فى صدر حياته حتى يعدل عن الانصراف إليها. ويعكف على طلب العلم كما أشار عليه بذلك الشعبى إذ رآه فتى أل معياً ذا عقل علمى, وإن كان مع عكوفه على طلب العلم لم ينقطع عن التجارة والتجار كما بينا فى كتابه.

'؟'"- وإذا كان أبى تقى الدين له رياسة فى مشيخة الحديث: فلابد أن يتجه ابنه أول ما يتجه بعد حفظ القرآن إلى حفظ الحديث وروايته؛ وتلقيه عن رجاله, وسماع الكتب على المشايخ الكبارء وسماع الدواوين الكبار, كمسند الإمام أحمد. وصحيح البخارى: ومسلم, وجامع الترمذى؛ وسان أيى داوود السجستانى والنسائى وابن ماجة؛ والدار قطنى. سمع كلاً هنها مرات عدة وأول كتاب حفظه فى الحديث هو الجمع بين الصحيحين للإمام الحميدي(!) كما قال بعض معاصريه. وأقد قالوا: (وإن شيوخه الذين سمع منهم؛ أكثر من مائتى شيخ,

وسمع مسند الإمام أحمد مرات)0().

)١(‏ داجع فى هذا الكتاب الكواكب الدرية فى دمن مجموعة عن ابن تيمية وخلافه مع غيره من الفقهاء ص 195 ,

)١(‏ راجع الكتاب المذكور,

ولاشك أن ذلك كله يهيئ ذلك الغلام فى صفره بيسرء ومن غير عناء لمقام أبيه, وقد مكث على رياسته للحديث نحواً من أريع عشرة سنة؛ فاكتسب بذلك نفوذاً على الشيوخ فوق منزلته الشخصية التى هيأته لذلك المنصبء ومكانته العلمية التى مكنته منه, وهى الذى جاء فن دمشق فاراً طريداً من غارات التتار,

4؟- وأقد كان مع دراسته للحديث يدرس علوماً أخرى؛ فدرس الرياضة وعنى بالعلوم العربية عناية خاصة؛ فدرسها كأنه يقصصد إليها ليتخصص فيهاء فحفظ المنثور والمنظوم: وأخبار العر ب فى القديم, وأيام ازدهار الدولة الإسلامية. وبرع فى النحو براعة واضحة, حتى أنه ليتأمل كتاب سيبويه ويدرسه دراسة فاحصة ناقدة: فيخالف بعض ما فيه معتمداً على ما درس فى غيره: فلم يكن المتهجم عن غير بينة؛ المندفع فى القول عن غير حجة وسلطان مبين.

, لقد كان مع هذا بدرس الفقه ا لحنيلى؛ و يتتبع سير ذلك المذهب الجليل ‏ وأبوه فى هذا ألموقف نعم الموجه, فهى من شيوخ ذلك الفقه, كما هى من شيوخ الحديثء والبارزين

فيه

وفى وسط ذلك البحر الخضم من العلم كان ينزع إلى تعلم تفسير القرآن؛ ومراجعة ا موسوعات التى كتبت فيه ويقرؤها بعقل فاحصء وفكر حر غير مقيد إلا بالأثر الصحيح: واللغة الصحيحة: والعقل الحاكم, والوجدان المستيقظ؛ والفكر الحكيم.

6 كان يسسير فى هذه الدراسسة وهو يافع تحت ظل أبيه العالم؛ فإذا كان ثمة ملازمة أجدته فهى ملازمة أبيه؛ وقديماً قال أبو حنيفة فى التوجيه العلمى عندمًا سثل عمن وجهه: (كنت فى معدن العلم والفقه, فجالست أهله. وازمت فقيها من فقهائهم).

وقد تحققت تلك الملازمة لتقى الدينء فقد لازم أباه؛ ودارس العلماء ونهل من كل ينابيع العلم»وكان فى دمشق معدن العلم فإن ذلك المصر كان ثانى اثنين أوى إليهما العلماء فى المشرق والمغرب وأول المصرين القاهرة, فإنه بعد أن اضطيد العلماء فى يلاد الأتدلس, وانقسمت طوائقها؛ وأخذ الأعداء يتلقفونها قطعةٌ قطعة أخذ العلماء يفدون إلى القاهرة

ف

أفواجاء ويأرزون إليها ليجدوا الحماية فى ظل المسلمين فيهاء وحكاهها الذين كانوا يحسنون ضياقة العلباء وإيواءهم: ويجرون الأرزاق عليهم؛ ويحبسون الأحباس لهم.

ولا أغار التتار فى الشرق؛ واستولوا على المدائن الإسلامية يعيثون فيها فساداً: وانسابوا فى الدولة الإسلامية حتى سقطت حاضرة الخلافة فى أيديهم فر العلماء بعلمهم إلى دمشقء ومنهم من اتخذها مستقراً ومقاماًء فوق ما كان لها من مكانة علمية ذاتية» ومنهم من اجتازها إلى مصرء حيث البعد عن غارات التتار وغيرهم.

- كانت دمشق إذن فى عهد ابن تيمية عش العلماء؛ ولهذا كانت أسرة ابن تيمية من الأسر التى آوث إلى ذلك العش الكريم واتخذت لها مكاناً فيه, وأعطاها الحاكم حق العلم فجعلوها فى الذروة والسنام. |

وقد كان فى دمشق مدارس للحديث كان يحدث فيها باحاديث رسول الله مله أمثال النووى وابن دقيق العيد. والمزى» والزملكاني يدرسونه دراسة فاحصة لرجال الأسانيد. ولتون الحديث مع موازنة المرويات بعضها ببعضء وقد تجمعت الأحاديث ودونت؛ فكانت الدراسة عن بينة واستقراء جامع» وفحص عميق: وقد زخرت المكاتب بالكتب الضخمة التى أنتجتها الدراسة فى هذا العصرء حتى أن الإنسان ثيقراً الباب من الأبواب, فيجد الأحاديث الواردة فيه مجتمعة كلهاء غريبها وحسنهاء وصحيحها وضعيفها مع التنبيه على مراتبهاء ومتوافقها ومتعارضهاء فيسهل على الدارس طلب الحق فى ا موضوع يأيسر كلفة؛ وأقل مجهود, مع عقل مستقيم؛ ومنطق سليمء مقيد بقيود الأصول والتخريج والاسستنباط.

وكان بجوار مدارس الحديث مدارس الفقه؛ فهذه مدارس للفقه الحنبلى: وتلك مدارس للفقه الشافعي: وقد خص آل أيوب المدارس الشافعية بفضل من العناية» فقد كان صلاح الدين رضى الله عنه شافعياً متعصباً للمذهب الشافعى, فأعلى ذلك المذهب فى دمشق والقاهرة,

17- وبجوار دراسة الفقه والحديث كانت دراسة العقائد, وقد بالغ بنى أيوب فى نشر مذهب أبى الحسن الأشعرى فى العقاك: على أنه السنة التى يجب اتباعهاء والطريقة التى ,

يجب انتهاجها وقد كان لذلك المذهب فضل انتشار فى الغرب كما هى فى الشرق. الف

حتى لم يكن شئ يخالفه إلا ما كان عليه الحنابلة!') وكان الحنابلة يسلكون فى دراسة عقائدهم مسلكهم فى دراسة الفقه. يستخرجون العقائد من النصوص: كما يستخرجون الأحكام الفرعية من النصوص.ء لأن الدين مجموع الأمرين فما يسلك فى تعرف أحدهما يسلك لا محالة لاستخراج الثانى: وكانت فى القرآن أيات فيها وصف الله سبحانه وتعالى بما يفيد فى ظاهره التشبيه بالحوادثءوفى الأحاديث ها يشبه ذلك فكانوا يفسرونها على مقتضى ما تؤديه اللغة بحقيقتها ومجازها,

أما الأشاعرة فيسلكون فى تعريف العقائد مسلك الاستدلال العقلى والبرهان المنطقىء وذلك لأن شيخهم أبا الحسن الأشعرى نشأ فى أولى حياته نشأة اعتزالية فاثقن طرائقهم فى الاستولال, ثم خالفهم فى النتائج التى وصلو) إليها؛ ونازلهم بالحجة والبرهان, وبالطريقة التى يتقنونهاء واذلك كانت طرائقه تتفق مع طرائقهم, وإن اختلفت النتائج: وحاريهم بالأسلحة التى يجيدونهاء وقد درب هو عليهاء ولهذا الخلاف فى المنهج بين الحتابلة والأشاعرة فى إثبات العقائد وفهمها كانت المدارس الأشعرية متميزة فى جانب والحنابلة فى جانب آخرء وبينهم بعض المناوشات الكلامية: رهى قيها الحنابلة بالتجسيم.

4- وكان للحنابلة بين المدارس الفقهية والاعتقادية مدارس خاصة بهم مثل المدرسة الجوزية والمدرسة السكرية. كما كان لهم المدرسة العمرية التى أنشأها أبى عمر بن قدامة بناها بسفح قيسون للفقراء المشتغلين بالقرآن والفقه!".

(1) قال المقريذى فى خططه (حفظ صلاح الدين فى صباه عقيدة آلفها قطب الدين أبو المعالى مسعود بن محمد النيسابورى؛ وصار يحفظها صغار أولاده. فلالك عقدوا الخناصر: وشدوا الينان على مذهب الأشعرى. وحملوا فى أيديهم كافة الناس على التزامه. فتمادت الحال على ذلك فى جميع أيام الملوك من بنى أيوبء ثم فى أيام مواليهم الأتراك: وكذا فعل ابن تومرت فى المغرب بعد أن أخذ عن الفزالى مذهب الأشعرى: وكان هذا هو السبب فى انتشار مذهب الأشعرى فى الأمصار, حتى لم يبق مذهب يخالفه إلا أن يكون المتبعون مذهب اين حنبل, فإنهم كاتوا على ما عليه السلطان,

(1) راجع فى هذا البداية والنهاية لابن كثير الجزء الثالث عشر س 4ه- وأبى عمر بن قدامة بانى هذه المدرسة هو أخو موفق الدين عبد الله أحمد بن قدامة صاحب المغثى فى الفقه الحنيلى: وكان أكبر هن موفق الدين: وهو الذى رباهء وقد كان عا ما زاهداً ورعا تقيا منصرفا للعلم خطيباء ومع ذلك ما كان ينقطع عن غزو الصايبيين مع صلاح الدين الأيوبى رضى الله عنه, وقد ولد سنة 518 وتوفى سئة /01: وكان على هذهب السلف الصالح سمتاً وهديا, وأخذاً بالكتاب والستة رضى الله عنه,

"4

وفى هذه المدارس الحنبلية تخرج أبن تيمية» ودرس فى كنف أبيه ورعايته وتوجيهه, وكان لابد قد رأى الأشاعرة: وهم يهاجمون الحنايلة, ويرمونهم بالتجسيم والتشبيه؛ ووجد طرائقهم الجدلية» ودراستهم للعقائد التى تجمع بين النهج الفلسفى العقلى, والنهج العقلى: قدرس الطريقتين وأتقنهماء وإنه فى هذا السبيل درس المنطق وأشكاله وأقيسته.

ولم تكن ثمة محاجزات تحول دون الدراسة والفحصء فالعقل البشرى طلعة يحاول التعرف وا لوصول إلى المعرفة, ولابد أن الفتى تقى الدين» وهو ذو الهمة؛ قد ندب نفسه للجدل مع الأشاعرة» وقبل الجدل معهم لابد أن يكون قد عرف ما عندهم معرفة دقيقة ليحكم عليه بأنه حق أو باطلء لأن الحكم على الشئ فرع عن تصورهء حتى إذا تكون له رأى فى منهاجهمء سواء أكان لهم أم كان عليهم لابد أن يكون قد عرف طرائق بحثهم وجدلهم, ليستطيع أن ينازلهم بسلاحهم إن كانوا معه على خلافء فإن الخصم مأخوذ بسلاح خصمه دائماء ليستطيع أن ينال منه؛ ويزهق باطله ولايد أنه قد اطلع على آراء المعتزلة الذين تصدى الأشاعرة لنزالهم: ثم آراء الفلاسفة الذين تصدى الغزالى وهو ممن اعتنق آراء الأشعرى لبيان تهافتهم.

وهى فى كل ذلك يغذى عقله, وينمى مداركه. ويرهف تفكيره؛ ويعد نفسه لمنازلة الأقزام من كل طائفة.

وإنا لا نفرض هذه الفروض على أنها احتمالات متصورة: لا واقع يؤيدهاء بل إنك فى رسائله وكتاباته, كما تتبين النقل والآثار تلمح عقلا فلسفياً متأملا مدركاء عميق الإدراك بعيد الغور؛ بل إن شئت فقل إنه أصدق رجال العلم تصويراً للعقلية الإسلامية, المتأملة العميقة, فإنه ليس الفيلسوف هى الذى يهيم فى أحلام الفلاسفة وتأملائهم وأخيلتهم فقطء بل إن كل من يقرى الحقائق» ويناضل عنها بعقل متأمل مدرك عميق: بعيد الغور فى الفروض والتقديرات هو آأيضاً فيلسوف, وإن كان يتكلم بالحقائق الدينية المقررة, وينطق بأحكام القرآن وأحاديث الرسول مله محررة ثابتة؛ بل إنا لنحسب أن الغزالى وهو يكتب تهافت الفلاسفة كان هى فى كتابته فيلسوفاً عميق القكرة بعيد الغور لا يقل عن صاحب تهافت التهافت.

فليست الفلسفة آراء تعتنق» ولكنها عمق إدراك وحسن تأمل, وإخلاص فى طلب

"6

الحقيقة, وكل ذلك كان ابن تيمية فيما كتب» فهى الفيلسوف الدينى المستقيم القكرء سواء أرضى بهذا الوصف أم لم يرض.

-٠٠‏ وإذا ألقينا نظرة فى كتابته الفقهية لنتعرف منها دراسته الأولى فإنا نجد فقيهاً مطلعاً متقصياً قد علم أقوال المتقدمين والمتأخرينء وأقيسة القياسيين. ونظرات الأثريين» وتعمق المخرجين. وكل مسألة يعرض فقههاء ترى الفقه المقارن مفحوصا مدروساً يرجع فيه النتائج إلى مقدماتها والفروع إلى أصولهاء والمسببات إلى أسبابهاء فى إدراك للب الشريعة ومغزاهاومرماها.

وإنا لنلمح بصفة خاصة أنه كان حريصاً الحرص