3 ذا 7 مد

١ 2‏ : ا 08 1 0 4 1 0 ا لاك 7 للح ب ته لالم

حت ابي .بدي يدا 2 جرع سكين و ري لظم ب _- 2 ا ل اك أو 0 70 0

تملس يسع

الى مه ىق : 0 020 سل - 1- و اي

ا 7 5-00

77017 11-2 1-1701 2. <2 2124

6 ٠ 9 1 ع‎ +

ا 20 4 1 70

وك فود و ا رح 5 ص

ف لإسا ابد 4 ُ إت ‏ -07 ا اياي

محمد أبو زهرة. الجريمة والعقوبة فى الفقه الإسلامى: الجريمة/ محمد أبو زهرة. ‏ القاهرة : دار الفكر العربى» .١99/‏ 48 ص ؛ 4 اسم. يشتمل على إرجاعات ببليوجرافية. يشتمل على كشافات.

١-الجريمة‏ والمجرمون. ”-العقوبات (فقه إسلامى). *' الفقه الإسلامى. 1 العنوان.

اسرست سم 8 المؤلت سخ ةالشعوديّة بمشر مطرئّة المتدبفي 8 شايع المباسية - القاهرة ات : امهاكد)

د سوهت سد سم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه» ونستغفره» ونتوب إليهء ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالناء من يهد الله فلا مضل لهء ومن يضلل فلا هادى له» ونصلى ونسلم على سيدنا محمد النبى الأمى المسبعوث رحمة للعالمين» وعلى آله وصحبه أجمعين .

-١‏ أما بعد: فإن كلية الحقوق بجامعة القاهرة قد أولت الشريعة الإسلامية عناية منذ كانت مدرسة للحقوق» واتسعت رحاب دراستها بعد أن صارت كلية جامعة وكان لها موضعها من دراسات الدكتوراهء فكانت مادة فى إحدى دبلوماتهاء ثم صارت لها ديلومة بذاتهاء ثم تحولت الدبلومة إلى معهد خاص بها يؤهل للدكتوراه فيهاء وهكذا استمرت الدراسات الشرعية فى قالبها الحديثء من غير أن يغض ذلك من مقام المعاهد التى حملت العبء عبر التاريخ منذ غابر الأزمنة.

وإذا كانت كليات الجامعات المختلفة فى أوربا تتميزء فيكون لكل كلية طابع تختص به دون نظائرها فى الجامعات الأخرى» فطابع كلية الحقوق بالقاهرة هو فضل عنايتها بالشريعة» من غير أن يكون فى ذلك ما ينقص عن عمل الكليتين الأخريين فى هذا الموضوع فلكل فضله واتجاهه.

ومن أجل ذلك قصد إليها الذين يريدون التعمق فى الدراسات الفقهية فى الشرق العربى خاصة» والشرق الإسلامى عامة» وقصد إليهاء وتتبع إنتاجها الذين يعنون بالفقه الإسلامى من علماء القانون فى البلاد الأوربية.

وإن الفضل فى ذلك يرجع إلى ثلاثة أمور:

أولها : ما امتاز به الذين تولوا تدريس هذه المادة منذ عهد المدرسة الأولى عند إنشائها إلى أن صارت كلية جامعية من علم غزير وفضل وجلال وتقى» واتساع أفق» وتذليل لصعاب الكتب الفقهية» مما جعل مسائل الفقه دانية القطوف. سهلة المأخذء قريبة المتناول» فقد فتح هؤلاء العلية ينابيع الفقه الإسلامى» فوردها الواردون» واستقى منها طالبو الحقيقة» والمتعرفون للمبادئ السامية التى اشتمل عليها الشرع المحمدى» والهدى النبوى الشريف»ء والتنظيم القرآنى العظيم .

ثانيها: البيئة العلمية التى أظلت تلك الكلية منذ كانت مدرسة إلى هذه الأيام» فإنها كانت تتجه دائما إلى تعرف تراث الشرق الإسلامى» وعلاج فقهائه لمشاكل الحياة» ومعاملات الناس» حتى إنك لا تكاد تجد كتابا فى الفقه المدنى لكبار دارسيه المتعمقين فى دراسته إلا وتعرض لأحكام الشريعة فى الموضوع الذى يدرسه موازنا بين حلول الفقه

١و‎

الإسلامى» وحلول الفقه الغربى» والفقه الرومانى القديم. بل إن فرط العناية بالدراسات الشرعية جعلت بعض كبار القانونيين يتجه فى دراسته إلى تخصيص الشريعة الإسلامية ببحوث منفردة» عن غير أن تكون فيها تابعة لدراسات قانونية .

ولم يقف الأمر عند الفقهاء المصريين» بل إن الفقهاء الأوربيين الذين كانوا يمدون ذلك المعهد الجليل بأرسال الفكر القانونى فى أقسام الليسانس والدراسات العالية كانوا يعنون بتعرف آراء الفقهاء المسلمين ما أسعفهم الإمكان. وكان مما راعهمء واسترعى ألبابهم أنهم كانوا كلما كشف لهم التفكير الأوربى عن فكرة جديدة وحسبوها بديئا من الرأى والنظر - وجدوا فقهاء المسلمين قد وصلوا إلى مثلها أو إلى قريب منهاء وإن اختلفت الصياغة واختلف العرض. حتى لقد كان من علماء القانون فى فرنسا من يوجه تلاميذه المصريين مشيرا بأصابعه إلى النور والعرفان فى الفقه الإسلامى .

' ثالئها : اتجاه طلبة الدراسات العليا المقارنة إلى الفقه الإسلامى بتوجيه أساتذتهم الشرقيين والغربيين. فكتبت رسائل فى موضوعات شرعية مقارنة بالفقه الأوربى نالوا بها درجة الدكتوراه» وكان من تلك الرسائل القيم الذى أضاف إلى المكتبة العربية ثمرات فكرية. ولم تكن مقصورة على ناحية واحدة. فبعضها فى العام» وبعضها فى الخاص .

؟- لكن من الحق علينا فى هذا المقام أن نقرر أن العناية فى الدراسة كانت متجهة إلى ما يقابل القانون الخاص من الفقه الإسلامى» فلم تكن ثمة عناية بما يقابل القسم العام» إذ لم تكن ثمة دراسات منظمة للقانون الجنائى الإسلامى» ولا دراسات منظمة للعلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم» مع أن الفقهاء المسلمين قد سبقوا فى هذين البابين من أبواب الفقه سبقا بعيداء وكتبوا فى هذا كتابة مستمدة من قانون العدل . الطبعى» ومن قواعد الأخلاق» ومن مبادئ الرحمة الإنسانية العالية فى ظل من كتاب اللّه تعالى وسنة رسوله الأمين» وتجارب السلف الصالح .

'- وبمقتضى السير فى الطريق الذى عبده القائمون على الكلية منذ عهدها الأول كان لا بد من أن تكون هناك دراسات فى القانون العام» ولقد ردّد ذلك كبار الأساتذة فى مجلس الكلية» فسارع القسم الجنائى., واقترح أن يكون القانون الجنائى الإسلامى مادة من مواد المعهد الجنائى» وتمت الموافقة على ذلك .

ولقد قرر قسم الشريعة أن يكون من بين الدراسات المقارنة فى المعهد دراسات خاصة بالقانون العام» كنظام الحسبة فى الإسلام» وكالعلاقات الدولية التى نظمها المسلمون. وهكذا تسير الدراسات الشرعية فى نموهاء فتتقدم مع الزمان ويبنى الحاضرون على الدعائم القوية التى وضعها السالفون.

5- وإن هذا الكتاب الذى نكتبه» إنما هو مجاوبة لتلك الروح العلمية المتطلعة» وفيه خلاصة الدروس التى ألقيناها فى هذه المادة على طلبة المعهد الجنائى» ولقد

ع

سارعنا إلى الكتابة مع ضيق وقتنا؛ لأن العقول مستشرفة متطلعة لما عساه يكون موضوعا لهذا الدرس» ولأن علمنا أن أبناءنا من وكلاء النائب العام ينتظرون أن يقرءوا فى هذا ما يجلى لهم الفكر الإسلامى فى معالجة الشذاب» ووضع الزواجبر الاجتماعية» والأسس التى يقوم عليها علم العقاب» والأسباب التى تكون من أجلها العقوبة . ولقد اتجهنا فيما نكتب إلى المعانى الكلية» دون الفروع الجزئية» وعسى أن ' يجدوا فيما نكتب ما ينقع غلتهم» وإنا نضرع إلى المولى العلى القدير أن يوفقناء وأن يهدينا إلى أقوم سبيل» فإنه لولا فضله وعونه ما اهتديناء وهو بكل شىء محيط . محمد أبو زهرة

ميم الرحمة والعدل :

-١‏ قال الله تعالى : وما أَرِسلْناكَ إلا رحمة للعالمين +29 2174 . فالرسالة الإلهية التى بعث الله بها نبيه محمدا عَلَِدِ هى الرحمة بالعالمين» وهى الرحمة التى تعم ولا تخصء» فهى رحمة بالناس أجمعينء لا بقبيل دون قبيل» ولا بجنس دون 7 وهى الرحمة التى من أجلها كانت الرسالات الإلهية فى هذه الأرضء فما من نبى ميعوث. إلا كانت بعثته لأجل هذه الرحمة» ولذلك كان قانون الرحمة قانونا عاما شاملا لكل الشرائع السماوية» والرسالات الإلهية» فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم من أولى العزم من الرسل جاءوا رحمة للعالمين.

وليست الرحمة مرادفة لمعنى التسامح. أو معنى الشفقة والرفق» فقد يكون فى التسامح والرفق والشفقة ما يخفى فى ثناياه أشد أنواع القسوةء فالرفق فى معاملة الذين يصاولون الناس بالشرء ويستعيرون من أساد الغاب شرهها إلى الدماء» ويستبدلون بالظفر والناب السيف والتبل والرصاص - هو القسوة فى ذاتهاء لأنه إن كان رفقا بالذين أجرمواء فهو القسوة على فرائس هذا الإجرامء ولذلك قرر محمد يَكلْةِ فيما قرر من قوانين الرحمة أن من لا يرحم الناس لا يرحمه القانون الرادع الزاجرء فقد قال كله : «من لا يرحم لا يرحم».

وتلك هى القاعدة المستقرة الثابتة التى يقوم عليها بناء المجتمعء فإن شذاب المجتمعات كالناتئ من الأبنية» لابد - لكى يكون النسق رائعا جميلاء» وقويا موثق الأركان - من أخذ هذا الناتئ بالمعول لتقوم عمد البناء» وكالأشجار المزهرة لا تثمر إلا إذا شذبت أطرافهاء من كل ما يتعلق بها من طفيل النبات.

؟- ولذلك كانت رحمة النبوة الأولى هى العدل». فالعدل ذاته هو الرحمة الشاملة» ولذلك صرح القرآن أن الرسالات الإلهية جاءت لإقامة القسط والميزان العادل بين الناس» ولا اختلاف بين القسط والرحمة» ابل المقصد من القسط هو ذات الرحمة؛ وقد قال تعالى فى هذا المعنى : :9 لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب وَالْميرانَ ليقُوم النَّاسَ بالْقسط وأَنرلَا الْحَديدَ فيه بَأسَ شَديد ومنافع للنّاس 94" .

فإن هذا النص السامى يشير إلى أن القسط بين الناس أساس رسالات الرسل» كما أن الرحمة هى الأساس» وهما متلازمان» أحدهما لازم للآخرء فالرحمة لازم من

56 : الأنبياء : ل1 37 2. (0) الحديد‎ )١(

لوازم العدل. وثمرة من ثمراته» ولا يمكن أن تتحقق الرحمة مع الظلم» كما لا يمكن أن يكون العدل مخالفا للرحمة» ما دام الاعتبار هو رحمة الكافة.

وقد قرن الله تعالى فى الآية الكريمة ذكر الحديد بجوار ذكر القسط؛ للإشارة إلى أن العدل الحقيقى لا يمكن أن يثبت ثبوتا مستقرا دائما إلا إذا كان معه الحديد يحميه بيأسه الشديد» ويستوى فى ذلك العدل بين الأحادء والعدل بين الدول؛ ولذلك قال تعالى : «ولولا دفع الله الثاس بعضهم ببعضٍ أفسدت الأرض ولكن اللّهَ ذو فضلٍ على الْعَالَمِينَ 2774 وقال تعالى: ظ ولَوْلا دع الله النَّاس بَعْضَهُم ببَعْض لَهُدَمَتْ صوامع وبي وصلوات ومَساجد يذَكَرٌ فيا اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لوي عَزِيزٌ 94 .

”- وكثيرا ما تجرى على ألسنة الناس هذه العبارة «الرحمة فوق العدل» والعدل فوق القانون» وإنى أوافقه كل الموافقة فى القضية الثانية بالنسبة للقوانين الوضعية الآن» فكثيرا ما يتخاذل القانون عن أن يحقق العدالة» ولكنى مع إجلالى للكاتب الكبير أخالفه فى القضية الأولى.» فالعدالة الحقيقية هى الرحمة الحقيقية» ولقد كان أبو بكر رضى الله عنه أرحم الناس وأعدلهم عندما قال: «القوى منكم ضعيف حتى آخذ الحق منه. والضعيف منكم قوى حتى آخذ الحق له» تلك هى الرحمة الحقيقية .

فالرحمة الحق هى التى يقرها العدل. والتسامح الحق هو الذى لا يخفض حقاء ولا يقيم باطلاء فإن كان الباطل» فإن ذلك هو القسوة الحقيقية» ولقد كان خلق محمد ابن عبد الله تتجلى فيه الرحمةء والتسامحء. والعدل» فهو رحيم متسامح عادل» وهى أوصاف متلاقية غير متنافرة» ولقد وصفت أخلاقه زوجه أم المؤمنين السيدة عائشة رضى الله عنها فقالت: «ما ضرب رسول الله مله بيده خادما ولا امرأة ولا دابة» ولا شيئا قط إلا أن يجاهد فى سبيل الله ولا.نيل منه شىء فانتقم لنفسهء إلا أن تنتهك حرمات الله فإذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شىء حتى ينتقم للّه؛ .

هذه أخلاق الرحماء حقا وصدقاء يتسامحون فى حقوق أنفسهم التى لا يترتب على التسامح فيها نصرة الباطل» ولا هدم لحق غيرهم»؛ ولعل هذا يفسر لنا قوله عليه الصلاة والسلام: «أنا نبى المرحمةء وأنا نبى الملحمة» فالملحمة والمرحمة من الأنبياء متلاقيان» كما يتلاقيان فى كل حاكم عادل. يسوس الناس بالقسطاس المستقيم» والملحمةء» وهى أخذ الباطل بما يستحقهء وأخذ المبطلين من معاطسهم ليحملوا على الجادة حملا - هى من قوانين المرحمة.

5- والحاكم الرحيم هو الذى تنبعث منه الرحمة بالعامة.ء لا بالشذاب منهمء وإذا كنا نقرأ ففى سيرة عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن كان يختار ولاته من الرحماءء لا

1 : الحج‎ )0( . 5861١ : البقرة‎ )١(

القساةء فلأن الرحماء تنبع من قلوبهم ينابيع الرحمة العامة» ومن الرحمة الخاصة الشخصية تنيعث الرحمة العامة العادلة» فلن يكون عادلا بين الناس إلا من يحس بأحاسيس الناس ويشعر بشعورهمء» ويخفق قلبه مع خفقان قلوبهم» ويرفق بهم فى عامة أمورهم وخاصتهاء ولا يركب بهم متن الشطط. ولا يحملهم على ما لا يطيقون» وذلك هو الرفق المطلوب فى الحكم» والذى دعا إليه النبى كيه فى قوله: «اللهم من ولى من أمر أمتى شيئا فرفق بهم فارفق به» ومن ولى من أمتى شيئا فشق عليهم فاشقق عليه» .

ه- وهذا رفق سياسة الأمورء وليس منه الرفق بالظالم» ولقد سمى القرآن الكريم الرفق بالظالم رأفة) ولم يسمه رحمة ولا رفقاء فقد قال تعالى فى عقوية الزانى والزانية : لإ الزانية والراني فَاجَلدوا كل واحد مَنهُمَا مائة جلدة ولا تأخدكم بهما رأقةَ في دين اللّه إن كنم تؤمنون باللّه واليوم الآخر وليشهد عذابهمًا ا طَائفَةَ مَنَ المؤمبين 228 »4 (21, وفرق بين الرحمة والرأفة» فالرحمة أكثر ما تكون انبعاثا إلى الخير العام والعدالة» أما الرأفة فإنها إحساس بالشفقة بالنسبة لمن يكون فى حال آلام. سواء أكان الألم عد لا أم كان غير عدل» ولذلك كان النهى عن الرأفة وآثارها ثابتا عندما يكون إنزال الألم عقوبة رادعة عن الشرء ومانعا للوثم

العقوبة فى الأديان السماوية وفى الإسلام :

5- ومن أجل أن الأديان السماوية كانت الرحمة الحقيقية بالناس» وأن العدالة والرحمة متلازمتان» شرعت فى الإسلام العقوبات الرادعة للآثمين» وأساس العقوبات القرآن الكريم عن العقوبة بالمثلات» فقال تعالى فى شأن عقابه الذى أنزله بالأمم التى ا لحسنة وقد خلت من قبلهم المنلات 74" .أى العقوبات المماثلة للذنوب التى وقع فيها من سبقوهم » ومع ذلك لم يتعظوا ولم يعتبروا» وذلك هو الضلال البعيد.

فالعقوبات الإسلامية بشكل عام أساسها المساواة بين بين الجرم وعقابه» ولذلك تسمى قصاصاء كما أشرناء ولوحظ فيها أن تكون النتيجة للقصاص هى الرحمة بالناس » وأن تكون الحياة هادئة مطمئنة سعيذة له يعكرها أذى» ولا تعبث فيها الآثام» ولذا قال سبحانه: © ولكم في القصاص حيَاة 270 أى حياة هادئة رافهة مطمئنة لا فساد

فيها ولا بغى ولا عدوان.

(١)النور‏ : 5 . (0) سورة الرعد : 5 . (”*) سورة البقرة : 4

لا- وإن الإسلام قد اتجهء كما اتجهت التوراة من قبله» إلى وضع عقويات رادعة لمن ينتهكون حرمات المجتمع التى هى حرمات الله ؛ وذلك لتوجيه الناس إلى العدالة الحقيقية» ما أمكنهم أن يقيموهاء وما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

وهنا نجد العقوبات السماوية واتجاهها إلى ناحية الفضيلة المجردة» وبهذا تفترق عن العقوبات التى يضعها البشرء ويتواضعون عليهاء ويحكمون الجماعة على مقتضاها؛ وذلك لأن العقوبات التى تضعها الحكومات المختلفة مشتقة من أوضاع الناس وما تعارفوه» وتعمل على حماية الحكومة لنفسها فى كثير من الأحيان كما كان يفعل الملوك السابقون» فقد كانت إرادات الملوك هى القوانين» ولا يشرعون إلا ما يكون أولا وبالذات حماية لأنفسهمء وثانيا ما يكون فيه مصلحة لقومهمء أو إعداد لحروبهم» وكان الناس يألفون ذلك عندما كانوا يعبدون ملوكهم.» ثم عندما نزلوا بهم من مرتبة العبادة إلى التقديس» ثم عندما ظنوا أن دولتهم مقدسةء وأن طينتهم ليست من طينة الناس» ولذلك كنا نجد فى عبارات القوانين حتى الحديثة أن ذات الملك مصونة لا تمس» وأحاطها - حتى القانونيون والقضاة - بهالات من الإجلال تجعلهم فوق المسئولية» وفوق الناس أجمعين.

وفى البلاد التى زالت عنها الملكية المستبدة» فتحولت إلى جمهورية أو إلى ملكية مقيدة» يملك الملك فيها ولا يحكمء نجد العرف له أثره فى التقنين» وقد حل محل تقديس الملوك أو إجلالهم» غيرهم من القواد والزعماء. حتى لقد زالت الملكية فى بعض الأمم اسماء وبقى معناها كما رأينا فى بعض دول أوربا قبيل الحرب العالمية الأخيرة» وكما ترى بعدها.

4- هذه شريعة الناس فى العقوبات الزاجرة» أما شريعة اللّهء فإنها لا تتجه إلى أعراف الناس» وما تواضعوا عليه خيرا أو شراء بل تتجه إلى الحقيقة المجردة» تتجه إلى الفضائل تحميهاء وتذود عنهاء وإلى الرذائل تمنعها وتقضى عليها.

وليس فيها ملك يحميه الملك إن ارتكب ظلماء وتحميه الأوضاع إن ارتكت إثماء بل الجميع أمام الله الحكم العدل سواء. فلا فاضل ولا مفضول عند ارتكاب الرذائل» إنما الفاضل والمفضول فى التحلى بالفضائل ومقدار الأخذ بها.

فأول مزية من مزايا الشرع الإسلامى فى أحكام الجنايات أنه عام يعم الحاكم والمحكوم» وأنه يقيد الراعى كما يقيد الرعية» فلا ينطلق من حكمه الأقوياء» ويطبق على الضعقاء» ولقد صاح محمد بن عبد الله بهذه الحقيقة عندما دخلت قريش فى الإسلام وأرادوا أن يعفوا شريفة من حد من حدود الله لشرفهاء فصاح فيهم محمد يَككِة: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه» وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد» وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».

٠

اتصال الشريعة بالأخلاق والضمير :

4- وليست ميزة الشريعة الإسلامية فى ذلك فقطء بل إنها تتفنق فى أحكامها مع قانون الأخلاق اتفاقا تاماء تجعل العقاب لما يخالف قانون الأخلاق» والثواب على ما يوافقهء فكل ما هو شر فى حكم الأخلاق تعاقب عليه الشريعة» بيد أن هذا العقاب نوعان: عقا أخروى» وعقاب دنيوى؛ وذلك أن الجرائم الخلقية نوعان: جرائم يجرى عليها الإثبات» ومن شأنها أن تفسد الجماعات» وهذه الجرائم وضعت لها العقوبات الزاجرة الرادعة فى الدنياء وهى التى يطبقها القضاة» فجرائم السرقة وقذف المحصنات والزنى وقطع الطريق» وسائر الاعتداء على الأموال والأنفس» كل هذه جراتم لها عقويات معررة فى الإسلام» ويطبقها القضاء فى الدنياء وينمذها الحكام . والحسدء وغير ذلك من الجرائم الخلقية التى لا يمكن أن تثبت بين يدى القضاءء فإن لها عقوبتها الأخروية.

-٠‏ ومن هله الناحية وغيرها من النواحى تتصل الشريعة بالضمير الإنسانى المتدين» فإن المسلم المتدين يحس بأنه فى رقابة من الله سبحانه وتعالى وأنه محاسبه على ما يفعل» ومراقبه على ما ينوى أن يفعلء كما قال عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنياتء وإنما لكل امرئ ما نوى» فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتكحها فهجرته لما هاجر إليه» .

وإن إيقاظ الضمير الدينى له فائدة جليلة تبدو فى أمور ثلاثة:

أولها : أنه يكون وقاية يمنع الوقوع فى الجريمة» فإنه إذا استيقظ الضمير الدينى ذهب الحقد الذى يولد الجريمة» ذلك بأن الذين يقعون فى الجرائم سبب وقوعهم أنهم يحقدون على المجتمع. ولا يحسون برابطة من الرحمة تربطهم به فيندفعون فى إيذاء الناس» وليست كثرة الجرائم إلا أمارة واضحة دالة على انقطاع الصلة الرابطة بين المجتمع» وطائفة من الذين يعيشون فيه وقد سمى العرب فى القديم تلك الطائفة من الناس الشذاب» وفى تلك التسمية إشارة إلى معنى الانقطاع عن الناس فى مشاعرهم وإحساسهم.

وإذا تربى الضمير الدينى قويت الألفة» واشتدت الصلةء وذهب الحقد الذى يدفع إلى الإجرام , وأصبح الشخص لا يحسد الناس على ما آتاهم اللّه من فضله لأنه يعلم أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين» وأن الصبر له جزاؤهء وأن الحقد عليه وزره» وأن هناك يوما آخر يوفى فيه الصابرون أجرهم بغير حساب» وذلك عزاء روحى يقتلع من النفس كل جراثيم الاعتداء أو الرغبة فيه» وبذلك يأتلف بالمجتمع أخذا بقول النبى كَلةِ:

1١١

«المؤمن إلف مألوف»» فلا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف. وإذا ائتلف مع المجتمع لا يؤذيه.

الأمر الثانى : أن إيقاظ الضمير يسهل الإثباتء» لأن الجرائم لا تقع إلا فى كن

من الظلام مستترة غير ظاهرة» فإذا أحس الذين عاينوا وشاهدوا يهم ا دينيا أن

يبلغوا فإنهم يبلغون تنفيذا لحكم ربهمء وذلك لقوله تعالى: «يا أيه الذي آمنوا كونوا قَوامِين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ع إن يكن غَنيًا أو فقيرا الله أولي بهما فلا تتبعوا الهوئ أن تعدلوا وإن تَلْووا أو تُعرضوا إن اللّه كان بما تعملون خَبيرا 4 ١‏ ولقد بلغ من قوة الضمير أن الرجل كان يأخذ ولده إلى رسول الله يك فيقيم عليه الحد إذا وجب عليه الحدء فقد روى البخارى ومسلم «أن رجلين اخمصما إلى النبى يَللةِ فقال أحدهما: اقض بيئنا يا رسول الله. بكتاب اللهء فقال صاحبه: نعم يا رسول الله اقض بيئنا بكتاب اللّه وأذن لى» فقال الرسول عليه الصلاة والسلام : «قل»» فقال: إن ابنى كان عسيفا فى أهل هذا - أى أجيرا - فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم. وإن رجالا - من أهل العلم - أخبرونى أن على ابنى حلد مائة وتغريب عام. . فقال عليه الصلاة والسلام : «والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب الله المائة والخادم رد عليك» وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام» .

ذلك هو سلطان الضميرء وذلك هو الخضوع لحكم القرآن الكريم» يرضى بأن يأخد بيد ابنه ليقام عليه الحدء ويكوى ظهره بالسياط» ويغيب عنه أمدا طويلاء فهل يخضع الناس ذلك الخضوع لقانون يضعه البشر وهو مشتق من أوضاعهم الاجتماعية» سواء أكانت عادلة فى ذاتها أم ظالمة .

الأمر الشالث : الذى يترتب على يقظة الضمير الدينى» وإحساس الجانى بأن العقوبة التى تفرض عليه هى من الله سبحانه لا من العبد - وهو أن الندم يعترى المرتكب» واحتمال التوبة يكون قريباء سواء أوقع تحت سلطان العقاب» أم فر منه» ذلك أنه يحس أن الله تعالى مراقبه ومحاسيه» إن لم يكن اليومٍ فغداء فإن هناك يوما آخر ستجزى فيه كل نفس بما كسبت» ٠‏ « فَمن يَعَمَل مثقال ذَرّة خيرا يره +( 4:0 ومن يعمل مثقال ذَرَة شرا يره +2 4( 0 وأنه إن أفلت من حكم السلطان فلن يفلت من حكم الديان.

وإن الملاحظ فى تطبيقات القوانين البشرية أن المجرم إن أفلت من العقاب ازداد ضراوة» وإن عوقب بالسجن أمدا طال أو قصر فإنه يخرج منهء وقد اشتد كلبه»

. 8 . النساء : 3776 . (0) سورة الزلرلة : لا‎ )١(

1١١

واستمرأ أموال الناس وكرامتهم» لأنه فى السجن تنهار آدميته» فينهار معها ضميره. إذ لا دين يردع» ولا خلق يمنع» ولا إلف يقربء ولا إيمان يهذب. ولذلك يكثر الإجرام بمقدار ابتعاد القوانين عن الدين» وبعد القلوب عن الإيمان» وقد استبحر العمران» واتسعت الحضارة» وتعددت معها أفانين الإجرام » واتسعت أبوابه» وصرفت ضروبه بمقدار اتساع الحضارة والعلوم ظ فإِنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور274 .

-١‏ إن التجربة الاجتماعية التى طبقت فيها الشريعة تطبيقا كاملا تعطينا صورة حية لمقدار التفاوت بين شريعة الرحمن وشرائع الإنسان» وإن نظرة واحدة بين حال جماعة تطبق الشريعة ومقدار الأمن فى ربوعها وحال مدينة من مدن أوربا تموج بالناس وقد تقطعوا أوزاعاء وهم لا يؤمنون بقانون لأنه من صنع البشر ومما تواضع الناس عليه - ترينا مقدار فعل الإيمان فى القلوب. فإن هذه النظرة ترينا أن الإجرام يسير مع الحضارة سيرا مطرداء فحيثما اتسع العمران كثرت فنون الإجرام» بخلاف الجماعات التى تطبق قانون السماءء فإنه كلما اتسع العمران مع الإيمان ازدادت القلوب تهذيباء فقل مع ذلك الإجرام» ففى الحضارة الإسلامية فى عصر النبى يك وعصر الصحابة» كانت الجرائم تسير مع الحضارة الإسلامية سيرا عكسياء فكلما اتسعت الحضارة قل الإجرام.

ولقد ضعف وازع القانون بسبب أنه مشتق مما تواضع الناس عليه» حتى لقد وجدنا من العلماء - بل العامة - من يثور عليه» ويحسب أنه من اتفاق الأقوياء على الضعفاء. أو من تحكم بعض الطبقات فى سائرها. ولئن تحررت النفوس بسبب الديمقراطية الظاهرية القائمة لتجدن بقايا الاستبدادية قائمة فى القوانين» إن لم يكن فى سنها ففى تطبيقها .

ولقد وجدنا تلك الثورة على القوانين والتهوين من شأنها يجرى على أقلام كتاب الروايات» والكتاب الأحرارء مما يشجع الآثمين ويجرئ المجرمين, ولا يسهل التوبة» ولا يوجد الإلف بين المجرم والناس» ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى القدير.

-١‏ وإن المسلمين كانوا يعملون دائما بوصايا النبى الكريم» وهدى القرآن العظيم» ولقد كان النبى يَلِْةٌ حريصا على تمكين الآثم من التوبة بعد أن ينال العقوبة التى استحقهاء ليكون الردع له» والاعتبار لغيره» ثم إخلاص النية لله تعالى» وقد روى أن النبى وكيد قال: «إن السارق إذا تاب سبقته يده إلى الجنة» وإن لم يتب سبقته يده إلى النار» .

35: سورة الحج‎ )١( 1

وكان النبى ذَلْةٌ يحث على عدم تعيير المجرم بجريمته» حتى لا تستمر نفسه فى ردغة الجريمة» لا تخرج منهاء ولا تسير إلا فى دائرتهاء» ويروى فى ذلك أن رجلا شرب الخمرء فأتى به إلى النبى يَلكِْةٌ فأقام عليه حد الشربء فقال بعض الحاضرين» وهو خارج: أخزاك الله فغضب النبى يله وقال: ١لا‏ تعينوا عليه الشيطان». وهذا معنى حكيم لاحظه ذلك النبى الأمى الأمينء فإن الآثم إن أحس بنفرة الناس منه» واحتقارهم لهء ونبذهم إياه» انتبذهم هو الآخر قصياء ومن ترك الجماعة تسلمه الشيطان» وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية. فنبذ الآثمين المعاقبين تمكين للإجرام» وإعانة للشيطان. ويروى أن النبى يلد قال: «إن الشيطان مع الفذء وهو عن الاثنين أبعد).

فليس فى الإسلام منبوذ لا يرجى له الخير» بل فيه تأليف وتقريب» وإن نبذ الجانى فإنه يصير حرباء وإن ألف وقرب فتح باب التوبة» وفى فتح باب التوبة خير عظيم» ونة ارتكبها مستمرئا لها بذلك وتحريضه على التوبة» بل عملت على أن يحاط بكل ما يحمى الأخلاق ويدفع إلى الفضيلة دفعاء وذلك بثلاثة أمور:

أولها : تكوين رأى عام مهذب لا يظهر فيه شىء من الشرء بل لا يظهر إلا الخير» فدعت إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكرهء واعتبرت البرىء مسئولا عن السقيم إن وجد فيه اعوجاجاء ولم يقومه بلسانه وهدايته» ودعوته إلى الخير بالتى هى أحسن» كما قال تعالى 8 ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة : وَجَادلُهم بالّتي هي أحسن 2174, وكما قال تعالى : «١‏ ولتكن سم أَمه يعون إلى الْخير يمون بالمعروف وَيتهون عن الْمَكر وأولتك هم المقلحون 33 4 0 واعتبر القرآن الكريم أخص معانى الإسلام الأمر بالمعروف والنهى عن المنكرء كما قال تتعالى: « كنم خيرَ أَمّهَ أخرجت للنّاس تَأمرُون بالمعروف وتهون عن المكر و وتؤمنوت باللّه 4 والتعاون على دفع الشرء ٠‏ وملع الجرائم: وتأليف قلوب أولنك الذين لم يفوا مع المجتمع ولم يندمجوا فيه لكى يشعروا بشعوره ويقربوا منه.

ثانيها : الدعوة إلى فضيلة الحياء » وتربيته فى النفوس» فإن الحياء خير كله ولقد قال عليه الصلاة والسلام: «لكل دين خحلق. وخلق الإسلام الحياء») وقد قال عليه الصلاة والسلام: «الحياء لا يأتى إلا بخير»ءولا شك أننا إذا عالجنا نفس المريض بالإجرام بإيقاظ

10 سورة آل عمران:‎ )*( .١١ 85 : سورة آل عمران‎ )60( ٠. ١56 : سورة النحل‎ )١(

1١5

الحياء فى نفسه. ومنع الظلهور بجرمهء اتجه إلى الطريق المحمدى. وعمل ليأتلف

الثها : أن الإسلام اعتبر الجريمة المعلنة جريمتين» جريمة الارتكاب» وجريمة الإعلان» ولذلك كانت عقوبة بعض الجرائم على إعلانهاء فقد قال يَلِيِ: «أيها الناس من ارتكب شيئا من هذه القاذورات فاستتر فهو فى ستر الله»ء ومن أبدى صفحته أقمنا عليه الحد». ولقد قال النبى عله : إن من أبعد الناس منازل عن الله يوم القيامة المجاهرين»» قيل: ومن هم يا رسول الله ؟ قال : «ذلك الذى يعمل عملا بالليل» وقد ستره الله عليه فيصبح يقول فعلت كذا وكذا يكشف ستر الله تعالى».

وإن ستر الجرائم يجعل الجو الذى يعيش فيه الناس جوا نقيا طاهرا عفيفاء وهذا من شأنه أن يجعل الأثيم ينزوى فلا يظهرء وقد يكون ذلك سبيلا لتهذيبه وتربية ضميره» ولقد وصف الله تعالى الذى يعلنون الجرائم ويكذبون على الناس. ديرموتهم ال يرود أن نشي الفاحدة في اد كوا هم عدب أب في اليا اضرم 130

هذه العناصر الثلاثة من شأنها أن تكون رأيا عاما مهذبا لائما داعيا إلى الفضيلة مستنكرا للرذيلة» تستتر فيه الجرائم فى ظلام دامس. فلا تظهر فى الجو العام.

وإنا نعتقد أن النشرات التى تنشر أخبار الجرائم» وتكشف الأستار ومحاطة بالمبالغة والتكبير تدفع الشباب إلى الإجرام دفعاء وإن ذلك قد حاربه الإسلام بتكوين ذلك الرأى العام الفاضل المهذبء. وما أحوجنا فى عصرنا إلى أن نأخذ بذلك المبد الحكيم .

4- اتجهت الشرائع الحديثة إلى اعتبار الجناية الواقعة ليست على المجنى عليه وحده» ولكنها على ١‏ لمجتمع باعتبارها خرقا للناموس » واعتداء على الأمن الاجتماعى العام الذى يكون من حق كل شيخص أن يعيش فى ظله آمنا مطمئناء وغلبت حق المجتمع على حق الفردء وجعلت حق الفرد مقصورا على المطالبة بالحق المدنى.

والإسلام لاحظ هذا المعنى» واعتبر جناية القتل جناية على المجتمع كلهء لأن من اعتدى على حياة شخص فقد اعتدى على حق الحياة فى هذا الشخص»ء ٠‏ وهو حق مشترك ب بين الناس أجمعين ١‏ ولذا قال تعالى: من أجل ذلك كتبنا على بد بني إسرائيل أَنّه من

4 : سورة النور‎ )١(

َل نَفْسا بغير نفس أو فساد في الأرض فَكَأَنمَا قَعَلَ الئّاس جميعا ومن أحيَاهًا فَكَأنمَا أحيا النّاس »2١(4‏ وإحياؤها بالقصاص لها.

ولكن الإسلام مع ملاحظة هذا المعنى الاجتماعى العسام قد لاحظ الجانب الشخصى للمجنى عليه» ولذلك قال تعالى: «ل ومن قل مظَلُوما قد جعلنَا لوليّه سلْطانا فلا يُسرف في الْقثل إِنَّهُ كان منصورا 204 .

ولهذه الملاحظة. وهى شفاء نفس المجنى عليه» وشفاء نفس ذويه كان القصاص هو العقوبة الأساسية فى الجرائم فى نظر الإسلام؛ وذلك لأن مفقوء العين لا يشفى قلبه مال مهما يكن قدرهء ولكن يشفى قلبه أن يجد الجانى مفقوء العين» ومن لطم فى مجتمع عام لا يشفى قلبه غرامة مهما يكن مقدارها ولا سجن مهما يطل أمدهء ولكن يشفى قليه أن يلطم وجه المعتدى عليه على ملا من الناس كما لطم وجهه. وهكذا فإن قانون المساواة يوجب أن تتساوى العقوية مع الجريمة» وأن يتساوى الأذى الذى نزل بالمجنى عليه مع الأذى الذى ينزل بالجانى عقوبة لهء والبادى بالشر أظلمء بل لا ظلم فى القصاصء والظلم كل الظلم فى أن يترك الجانى من غير قصاص.

-١‏ ولا شك أن العناية بشفاء المجنى عليه وعلاجه لها أثرهاء فإنه لا يفكر فى الانتقامء فلا يسرف فى الاعتداء» ولا يسرف فى القتل كما جاء ف فى النص القرآنى الكريم الذى تلوناه.

وإن لنا فى إحصاءات الجرائم التى تكون أخذا بالثأرء أو انتقاما من إهانة لحقت شخصا - لعبرة» فإن القوانين الحاضرة فى مصر بسبب قصورها عن شفاء نفس المجنى عليه» تسلسل يسببها الجرائم» فجريمة القتل يتبعها أخرى أحذا بالثأر» ثم يتبع الثانية ثالثة» حتى إن الثأر لتتوارثه الأعقاب والذرية» وما كان ذاك إلا لآن القوانين لم تعمل

وإنه فى سبيل شفاء ذ: نفس المجنى عليه وذويه كان الفقه الإسلامى فى العقوبات يقوم على أساس تعويض المجنى عليه وذويه إن لم يمكن تنفيذ حكم القصاص» لأى سبب من الأسباب .

ومن المقررات الشرعية التى من شأنها أن تطب لجروح المكلومين أنه لا يطل دم فى الإسلام» فلا تذهب جريمة قتل من غير عقوبة» أو بالأحرى من غير أن يقتص من الجانى» أو تعويض أسرة المجنى عليه» فالدية أمر ثابت مقرر لورثة كل من يقتل ولا يمكن القصاص من القاتل» إما لعدم توافر شروط القتصاص» وهو أن يكون القتل عمداء

. ”#” : سورة المائدة : ”” . (؟) سورة الإسراء‎ )١( و سورة الوسر‎

وإما لعدم معرفة الجانى» فإذا كان القاتل لا يملك الدية ولا يستطيع أداءهاء وجب على عاقلته» وهم عصبته - أن يؤدوا عنه هذه الدية على تفصيل فى ذلك بينته إن شاء الله فإذا كانوا هم الآخرون لا يستطيعون أداءها» وجب على بيت المال أداؤها - وذلك لكيلا يذهب دم من غير عوضء وبالأحرى لكى يطب الإسلام لقلوب المجنى عليهم»

ذلك تعاون فى التبعات والتكليفات» فمن قتل مسلما خطأء كان على من قتله تعويض أهله» لأنه أخطأ فتقوم عنه أسرته الصغرى بذلك الواجب» فإن عجزت أسرته الصغرى هى اللأخرى قامت أسرته الكبرى» وهى المجتمع ممثلا فى ولى أمرهء بهذا الواجب المفروضء وذلك تعاون عظيم» وفيه معنى آخرء وهو أن الدولة مسئولة عن تقصير آحادهاء وسنبين ذلك فضل بيان فى موضعه من دراستنا إن شاء الله تعالى.

5- ولا يوجد فى الفقه الإسلامى أن جناية قتل تقيد ضد مجهول» ويذهب الدم هدراء ويسكت القوامون على الحسبة» كأن لم يكن إنسان له حق الحياة قد ذهب». وكان له على المجتمع حق الحماية» وعلى الجماعة حق الرعاية» لم يكن فى الإسلام ذلك» فإن على القاضى والعاملين على الحسبة الإسلامية كالنيابة فى هذه الأيام أن يتحرواء وينقبوا ويبحثوا حتى يصلواء وإنهم لا بد واصلون.

فإن عجزوا كانت القسامة: وهى أن يحلف خمسون رجلا من أهل القرية التى حدث حولها أو فى داخلها القتل على أنهم لا يعرفون له قاتلا فيحلف كل واحد أنه ما قتله.» ولا يعرف له قاتلا.

وإنه لا بد فى هذه الأيمان المغلظة أن يوجد من يعرف القاتل» فإنه لا يحدث قتل فى قرية إلا إذا كان القاتل معلوما لأكثر أهلهاء ولكنهم يمتنعون عن التقدم للشهادة إما إيثارا للعاقبة» وإما خوفا من الجانى أو عصابته» وفى هذه الأيمان الإجبارية حمل لهم على النطق إن كانوا يعلمون» ولا يريدون أن ينطقوا.

فإن حلف الخمسون كان لا بد من الدية حتى يشفى غيظ المكلومين.

وإن دل هذا على شىء فإنما يدل على حرمة دم الإنسان سواء أكان مسلما أم كان غير مسلمء فإن ذلك يكون بالنسبة للمسلم والذمى على سواءء فلا يوجد من بين قضاة المسلمين من لا يهتم بدم مسفوك ظلماء ولا ينظر إلا إلى مقدار الأدلة المقدمة لديهء أهى مثبتة الإدانة قطعا أم لاء فإن كانت الأولى فالحكم» وإلا فليذهب الدم المسفوك بين أهله؛ وليأكل الناس بعضهم بعضاء ذلك هو منطق القوانين الجنائية الحاضرة» أما منطق الإسلام فلاء لأن عناية الإسلام أولا بشفاء غيظ المكلومين ما وسعه الحق والعدل؛ من غير شطط ولا إسراف» فلا يحكم على برىء» ولكن أيضا لا يذهب الدم هدرا.

وسنفصل القول فى هذا تفصيلا فى موضعه من هذه الدراسة إن شاء الله تعالى فهو الموفق» وهو سبحانه هادى السبيل .

العقوبات فى الإسلام من رعاية المصلحه العامة :

-١7‏ إن العقوبات فى الإسلام قسم من شريعته» تتجه إلى ما تتجه إليه فى جملة غاياتهاء وهو حماية المصلحة العامة» والمحافظة على الضرورات الخمس» وذلك بيأن الشريعة الإسلامية جاءت للمحافظة على أمور خمسة هى مصالح الإسلام المعتبرة» وهى المحافظة على النفس» وعلى الدين» وعلى العقل» وعلى النسل» وعلى المال.

والجريمة بلا شك هى اعتداء على واحد من هذه الأمور. فالزنى اعتداء على النسلء والسرقة اعتداء على المال» وشرب الخمر اعتداء على العقل. والردة اعتداء على الدين» وسب النبى يَكَلِْةّ اعتداء عليه أيضا. وهكذا. لحمايتهاء فلا بد من عقاب رادع. يمنع الآثم من أن يستمر فى إثمه وغيه.

وإنك لتجد كل عقوبة مقررة فى الإسلام سواء أكانت عقوبة شديدة أم كانت غير ذلك. إنما هى لحماية الجماعة من أن تتعرض للفسادء وذلك بأن يكون أهل الدعارة والفساد هم الذين يظهرون فى السطحء. ويختفى أهل الطهر والعفاف» فيكون المظهر كله أثيماء وتتعرض بذلك المصالح العامة» والمصالح الخاصة للاعتداء.

4- وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد جاءت لحماية هذه المصالح. ولا يمكن أن تكون شريعة من الشرائع الوضعية لا تعمل على حماية هذه المصالح فى عمومها وفى خصوصهاء فهى تتلاقى مع الشريعة الإسلامية فى المقصد. وإن تخالفت عنها فى

ولسنا نرتكب شططا إذا دعونا إلى الأخذ بعلاج الشريعة على أنه العلاج الحاسم» ‏ وكل مريض يداوى بعقاقير بلاده» كما قال أبو الطب القديم أبقراظ , ولكنا مع ذلك نجمل فى الطلب» ونقول: إن على طلابنا أن يدرسوا فقه الجنايات فى الإسلام» وإنهم لآ بد واجدون فيه ما يصلح لأن يؤخذ منه علاج لأسقامنا الاجتماعية» فإن لم يؤخذ الهند وغيرها من قواتين العالم» فإنه لاا يصح أن نستصغر ما عندناء» ونعجب بما عند غيرنا وإن كان لا يستحق الإعجاب» ولا يصح أن ينطبق علينا قول الشافعى: «العود فى أرضه نوع من الحطب» إن فى الأحكام الإسلامية بلا ريب ما يصلح للأخذ فى مواضع كثيرة» وإن الأمل معقود فى هذا على الرعيل من رجال القانون الذين يهمهم أن يتعرفوا مواضع الخير فى موارد بلادهم الفكرية» فلا يتكففوا الناسء وعندهم تلك الشروة المثرية. واللّه ولى التوفيق.

148

الجريمة تعريفها - أساسها

تعريف الجريمة :

4- لا بد من تحرير معنى الجريمة وأخواتها من التعبيرات العربية من مثل الثم والخطيئة والمعصية» وإن هذه التعبيرات تتلاقى فى معانيها الشرعية مع المعانى اللغوية التى استقر عليها العرف اللغوى». فلا يكاد الناس يختلفون فى أن معنى الجريمة أنها الفعل الذى يسنوجب عقاياء» ويوجب ملاما. ولكن يجب أن نبين معنى ذلك» وأصل الاشتقاق اللغوى» وارتباطه بالمعنى الشرعى فى هذه الكلمات.

أصل كلمة جريمة من جرم بمعنى كسب وقطع» ويظهر أن هذه الكلمة خصصت

من القديم للكسب المكروه : غير المستحسن» ولذلك كانت كلمة جرم ويراد منها منها الحمل

على فل حملا ألما ومن ذلك قوله تعالى : 0

بمن سبقوكم ممن شاقوا أنبياءهم. ومثل قوله تعالى را 0 شتآن 57

تعدلوا اعدلوا هو أَقْرب للتّقوئ 74" أى لا يحملنكم حملا آثما بغضكم لقوم على ألا تعدلوا

ولذلك يصح أن نطلق كلمة الجريمة على ارتكاب كل ما هو مخالف للحق

والعدل والطريق المستقيمء واشتق من ذلك المعنى إجرام وأجرمواء فمّد قال

تعالى : ط إن الّذِينَ أَجرمُوا كَانوا من الّذِينَ آمَئُوا يَضحكون 200 74" » وقال تعالى : / كلوا

وتَمتّعُوا ليلا إنَكُم مُجَرِمُونَ 550) 2474, وقال عز من قال: «إإِنْ المجرمين في ضلال,ٍ وصعر +2200 004 .

ومن هذا البيان يتبين أن الجريمة فى معناها اللغوى تنتهى إلى أنها فعل الأمر الذى لا يستحسن» ويستهجن » وأن المجرم هو الذى يقع فى أمر غير مستحسن مصرا عليه مستمرا فيه لا يحاول تركه» بل لا يرضى بتركه» وذلك ليتحقق معنى الوصف. إذ إن معنى الوصف يقتضى الاستمرار» وإذا كانت كل أوامر الشريعة فى ذاتها مستحسنة بمقتضى حكم الشارع» وبمقتضى اتفاقها مع العقل السليم» فعصيان الله تعالى يعد

. 59 هود : 896 . (0) المائدة : 48 . (") المطففين:‎ )١( . المرسلات : 45. (6) القمر : ا‎ )4(

14

جريمة. وكذلك ارتكاب ما نهى الله تبارك وتعالى عنه يعد جريمة؛ وذلك لأنه غير مستحسن بمقتضى حكم الشارع بالنهى» وبمقتضى حكم العقل» لأن العقل السليم تتفق قضاياه مع قضايا الشرع الإسلامى» ولذلك روى أن أعرابيا سئل: لماذا آمنت بمحمد؟ فقال: لأنى ما رأيت محمدا يقول فى أمر افعل» والعقل يقول لا تفغلء وما رأيت محمدا يقول فى أمر لا تفعل» والعقل يقول افعل.

-٠‏ وعلى ذلك نستطيع أن نقول: إن الجريمة فعل ما نهى الله عنهء وعصيان ما أمر اللّه بهء أو بعبارة أعمء هى عصيان ما أمر الله به بحكم الشرع الشريف» وأن تعريف الجريمة على هذا النحو يكون مرادفا لتعريف الفقهاء لها بأنها إتيان فعل محرم معاقب على فعله. أو ترك فعل مأمور به معاقب على تركه؛ وذلك لأن الله تعالى قرر عقابا لكل من يخالف أوامره ونواهيه» وهو إما أن يكون عقابا دنيويا ينفذه الحكام»ء وإما أن يكون تكليفا دينيا يكفر به عما ارتكب فى جنب اللّه» وإما أن يكون عقابا أخرويا يتولى تنفيذه الحاكم الديان» وهو خير الفاصلين.

فكل جريمة لها فى الشرع جزاء إما عاجل فى الدنياء وإما آجل فى الآخرة. ويتولى الآخرة رب العالمين» إلا أن يدوب توبة نصوحاء ويتغمده الله برحمته وغفرانه وهو الغفور التواب الرحيم.

هذا تعريف عامء وليس بخاصء» فهو يعم كل معصية.ء وبذلك تكون الجريمة والإثم والخطيئة بمعنى واحد؛ لأنها جميعا تنتهى إلى أنها عصيان الله تعالى فيما أمر ونهى» وسواء أكان ذلك العصيان عقوبته دنيوية أم كانت عقوبته أخروية.

ولكن لأن الفقهاء ينظرون إلى المعاصى من ناحية سلطان القضاء عليهاء وما قرره الشارع من عقوبات دنيوية - يخصصون اسم الجرائم بالمعاصى التى لها عقوبة ينفذها القضاءء فيقول الماوردى فى تعريفها: «إنها محظورات شرعية زجر الله تعالى عنها بحد أو تعزير).

والمحد هو العقوبات المقدرة. ويدخل فى هذا القصاص والديات التى قدرها الشارع فى موضعها المنصوص عليها بكتاب أو سنة نبوية؛ وذلك لأن هذه العقوبات محدودة مقدورة.

والتعزير هو العقوبات التى ترك لولى الأمر تقديرها بحسب ما يرى به دفع الفساد فى الأرض ومنع الشرء وسمى تعزيراء لأن به تقوية الجماعة» وبه حفظهاء إذ إن عزر

وعزرتموهم وأفرضتم الله فضا حسنا لأَكفَرنَ عنكم سيئاتكم ولأدخلئكم جنات تجري من تحتها الأنهار 114 .

-١‏ وإن تعريف الجريمة على هذا النحو ينتهى إلى ما يقارب تعريف علماء القانون الوضعى لهاء فإن الجريمة فى قانون العقوبات هى الفعل أو الترك الذى نص القانون على عقوبة مقررة له؛ فإنه بمقتضى ذلك القانون لا يعتبر الفعل جريمة إلا إذا كان ثمة نص على العقاب» ولا عقاب من غير نص.

والتعريف الشرعى الذى ذكرناه قد يفترق فى ظاهره عن تعريف القانون الوضعى فى التعزير» فإنه عقوبة غير منصوص عليها فى الكتاب أو السنة بقدر محدودء ولكن عند النظرة الفاحصة نجد تعريفين متلاقيين فى الحملة؛ وذلك لأن التعزيرات كلها تنتهى إلى منع الفساد ودفع الضرر. وكل ذلك له أصل فى الكتاب أو السنة» من ذلك قوله تعالى: ف ولا تعقوا في الأرضٍ مفسدين 74" , وقول النبى كَْةْ: «لا ضرر ولا ضرار' ولأن هذه التعزيرات ترك تقديرها لولى الأمرء له بمقتضى ما خوله الله تعالى من سلطان فى الأرض أن يسن من العقوبات ما يراه رادعا للناس» ولذلك نستطيع أن نقرر أن أكثر ما فى قانون العقوبات من عقوبات رادعة مانعة للفساد من قبيل التعزيرات» وليس معنى ذلك أن هذا القانون شرعى من كل الوجوه فإنه سكت عن جرائم قدر لها القرآن الكريم عقايا شديداء وعاقب على جرائم أخرى عقوبات ليست هى المقدرة لها فى الكتاب والسنة.

-١‏ وإن النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة تجرى فيها عبارات المعصية والإثم والخطيئة» فلنشر هنا إلى معانى هذه العبارات» وعلاقتها بمعنى الجرية .

وإن كلمة معصية يلاحظ أنها تتلاقى فى معناها مع تعريف الجريمة بالمعنى العام؛ وذلك لأن كلمة معصية يراد بها كل أمر فيه مخالفة أمر الله ونهيه. وكذلك معنى إثم ومعنى خطيئة» فإنه يتلاقى أيضا مع معنى الجريمة بالتعريف الأعمء لآن هذه كلها فيها عصيان لله تعالى» ومخالفة للشرعء» وقد قرر الله تعالى عقابا أخرويا أو عقابا دنيوياء وأن العقاب الأخروى قد يغفره الله تعالى عند التوبة النصوح- فإن الله تعالى يقبل التوبة من عياده.

وعلى ذلك تكون ألفاظ الجريمة والمعصية والخطيئة والإثم» ألفاظا متلاقية فى معناهاء وإن كان ثمة اختلاف فى إشارتها البيانية» فالجريمة لوحظ فيها ما يكتسبه المجرم من كسب خبيث» ومن أمر مكروه مستهجن فى العقول. والإثم لوحظ فيه أنه مبطئ عن الوصول إلى المعانى الإنسانية العالية» وذلك لآن الإثم اسم للأفعال المبطئة»

. 50 : سورة البقرة‎ )6( . ١١ : سورة المائدة‎ )١(

"5

والخطيئة يلاحظ فى معناها أن الشر يستغرق النفس ويستولى عليها حتى يصدر عنها من غير قصد إليهء ولذلك لا يجى,التعبير بالخطيئة إلا عندما يكون الشر قد استحكم فى قلب إنسان فى مثل قوله تعالى: لإ بلى من كسب سيقَة وأحَاطّت به حَطيئه ولك أصحَاب لَارِ هم فيهًا خَالدُونَ 2 104 .

7- وفى تعريف الجريمة بهذا المعنى الخاصء وهو الأمر المحظور الذى يكون فيه عقاب يقرره القضاءعء تكون الجريمة غير متلاقية مع معنى الشر الذى يقرره علماء الأخلاق» أما تعريفها بالمعنى العام فإنه يتلاقى مع تعريف علماء الأخلاق للشر.

ذلك أن علماء الأخلاق يحكمون على الأفعال بأنها شر إذا كانت ضارة بالمجتمعء وعلى الأفعال بأنها خير إذا لم تكن ضارة بالمجتمع» وذلك على مقتضى قول علماء الأخلاق الذين اعتبروا مقياس الخير هو المنفعة بأكبر قدرء ولأكبر عدد بممكن» وأن المنافع ليست مادية فقط بل المراد كل المناقع المعنوية والمادية» ولا تقتصر على المنافع العاجلة» بل تشمل أيضا المنافع الآجلة(2) ودفع المضار أيضا من المنافع .

وإن ذلك المقياس هو أوضح المقاييس. وأقربها إلى التنظيمات القانونية العادلة» وإلى التعاون الاجتماعى , واعتبار الإنسان حيوانا اجتماعياء يعيش فى بيئة ينتفع منها وينفع فيها. إلا إذا قصد إلى فعل الخير»ء وإن هذا يتلاقى تمام التلاقى مع الآداب والأخلاق الدينية الإسلامية. لأن النبى يَككلِ يقول: «إنما الأعمال بالنيات» وإنما لكل امرئ ما نوى». وقد أشرنا إلى ذلك الأثر النبوى الشريف من قبل. وكذلك الحكم بالشر فى الأخلاق يتناول الفعل والقصد إليه. فالشرير من يقصد الشر ويفعله. وكذلك الإسلامء فإنه ينظر إلى الإثم ذلك النظرء ولذك ورد فى الأثر: «الإثم ما حاك فى الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس» والبر ما اطمأن إليه القلب. فاستفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك».

. : سورة البقرة‎ )١( (؟) اختلف علماء الأخلاق فى مقياس الخير والشرء أو بعبارة أدق فى مقياس الفضيلة والرذيلة» منذ عهد‎ فلاسفة اليونان الأقدمين. فسقراط اعتبر المقياس هو المعرفة» وأفلاطون رد أصول الفضائل إلى أربعة:‎ الحكمة» والشجاعةء والعفة» والعدالة» وأرسطو قرر نظرية الوسطء وهو أن الفضيلة وسط بين رذيلتين.‎ وأبيقور اعتبر المقياس هو المنفعة الشخصية» والرواقيون اعتبروا المقياس هو الكمال» وبعض العلماء اعتبر‎ المقياس العرف» وآخخرون قالوا: إن الفضيلة تعرف بالبداهة. وخخير المقاييس هوالمنفعة بأكبر قدر وأكبر‎

عددء وقد قرر هذا بنتام وجون استوارت ميل.

"2

- هذا هو وجه الموافقة بين قانون الأأخلاق» والجريمة فى الشريعة بمعناها العام أما وجه المخالفة بين تعريف الجريمة بالمعنى الخاص وقانون الأخلاق فأساسه أن الشر فى قانون الأخلاق أعم مما قدر له عقاب» فهو يشمل الشر الذى قدر له عقاب يطبقه القانون» والشر الذى لا يدخل فى متناول القضاء؛ وذلك لأن كشيرا من الأمور لا تجرى عليها البينات والإثباتات» ولو تحرى القاضى الإثبات فيها لأدى ذلك إلى أن ينقب عن القلوب». وذلك فى ذاته لا يؤدى إلى خير» بل إن ما يقترن به من إيذاء يكون أكثر من الخير الذى يكون بترتيب العقابء فقانون الأخلاق نفسه يوجب ألا يكون هناك تكشف لأسرار الناس وتنقيب عن قلوبهم» وقد وضح الموازنة بين علم الأخلاق وعلم القانون بنتام فى كتابه أصول الشرائع » قال:

«الأخلاق علم غايته تنظيم أعمال الإنسان للوصول إلى الدرجة الممكنة من السعادة» وهذه الغاية هى التى ينبغى أن تكون لعلم القانون» لكن هذين الفنين أو هذين العلمين يختلفان فى عموم الموضوع وخصوصه.ء فالأعمال كلها وبعمومها تدخل فى دائرة الأخلاق» فهو مرشد يأخذ بيد المرء فى جميع أحوال الحياة» وكل علاقات المرء مع غيره» وليس هذا من الممكنات فى علم القانون» وإن كان ممكنا وجب الابتعاد عنهء لأنه لا يجوز أن يكون للقانون سلطة مستمرة فى سير الأفراد الشخصىء فعلم الأخلاق يقضى على الإنسان بفعل كل ما فيه منفعة للأمة» ومنفعة للشخص . لكن كثيرا من الأعمال النافعة للأمة لا يمكن أن يأمر بها القانون. بل هناك أعمال ضارة لا يجب على علم القانون منعهاء وإن منعتها الأخلاق» وفى الجملة إن مركز العلمين واحد» ولكن محيط أحدهما أكبر من محيط الآخرء والسبب فى هذا الاختلاف بين العلمين أمران:

أحدهما : أن علم القانون لا يمكن أن يؤثر مباشرة فى سير الأفراد الشخصى إلا بالعقوبة» ومعلوم أن العقوبة ضرر لا يجوز الحكم به إلا إذا نتج من إيقاعه خير منه» وإذا نظرنا إلى كثير من التصرفات الشخصية رأينا أن العقوبة عليها تنتج ضررا أكبر من الفعل الذى حكم من أجله على مرتكبه». لأن تنفيذ القوانين فى مثل هذه الحال يستلزم استعمال وسائل من شأنها الإزعاج وإلقاء الرعب فى النفوسء» وهو ضرر أشد مما جاء القانون لاجتنايه .

ثانيهما : أن علم القانون محفوف دائما بالخوف من إصابة برىء فى الوقت الذى يراد فيه معاقبة الجانى» وهو فى المعاقبة على السيرة الشخصية يصل إلى درجة الخطر من الوقوع فى ذلك». ومنشأً هذا الخطر ما ينشأ من الصعوبة فى تعريف الجرائم النفسية وتوضيحهاء والوقوف على كنههاء فمثلا القسوة وكفران النعمة» والخيانة» وما شابهها من القبائح مرذولة عند الناس» ولكن لا تقع تحت سلطان القانون, لتعذر الوقوف عليها تماماء كالسرقة والقتل وشهادة الزور وغير ذلك» .

ثم يوازن موازنة حكيمة استقرائية بين الأخلاق والقانون» ثم يقول فى تعذر الإثبات فى الجرائم الخلقية المتصلة بالسيرة الشخصية من غير أن تتصل بالمجتمع : إن إقامة الدليل على مثل هذه الأعمال من أصعب الأمورء ولا يمكن الحصول على الإثبات إلا باتخاذ الوشاق» واستعمال السعاية وتكثير عدد الرقباء. والالتجاء إلى التجسس فى ذاته قبيح ضار. . إذ يخاف على نفسه البرىء والجانى معاء وكذلك كل من يتصل بهء فيصير البقاء فى المجتمع خطرا لهذا الذعر العام» ولسريان النميمة» فيركن الناس إلى العزلة» وتقل الثقة بينهم. ويكون القانون قد حاول اجتناب رذيلة فأتى بأرذل منها37" .

6- وهذا النظر يتفق مع ما يقرره فقهاء المسلمين فى الجملة»ء وأن ما تدعو إليه الأخلاق هو ما يدعو إليه الدين» فما من أمر هو فى حكم المقياس الخلقى حسن إلا دعا إليه الإسلام» ولذا قال أكثم بن صيفى حكيم العرب» عندما