الإمام محمد ابو زهرة

الجريمة والعقوبة فى الفقه الإسلامن

الكقوبة

ملتزم الطبع والنشر

حار الفكر الغربى

الإدارة : ١١‏ شارع جواد حستى ص 11٠١‏ القاهرة : 13160157

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

إنى أحمد الله تعالى على ما أولى من نعمء وما وفقنى فيه من عملء وأصلى وأسلم على النبى الأمى الذى بعث رحمة لعا مين. وكان بشيرا بالجزاء الحسن لمن عمل خيراً. ونذيراً بالعقاب لمن عمل شراًء وعلى آله وصحبه الأكرمينء الذين كانوا نجوم الشرعء والهداة إلى نوره بعد النيى المبعوثء وكان حقا على كل مؤمن أن يتبعهم باحسان: فيما-يتقلون عن النبى عن ويهتدون يه يهديه.

أما يعد.. فمنذ يضع ستين أخذنا فى كتابة بحوث فى الجريمة والعقوية فى الفقه الإمسلامىء وأخرجنا الكتاب الأول فى الجريمة: وأنواعها وأركانهاء ومدى تحمل تبعتهاء ومن توصف أقعالهم بالإجرام: ويستحقون العقوية» كبروا أو صغرواء وكان لابد ونحن نتكلم فى الجريعة, أن نشير إلى العقوبة. لتتميز الجرائم بحقائقها وأثارهاء فالجريمة والعقوية عليها معنيان متلازمانء لايمكن أن تتميز حقائقهما وهما منقصلتان اتفصالا تاماء قمن طريق تمييز يعض الجرائمء معرفة العقوية الكقررة عليها اجمالاء لذلك جاء القسم الأول من الكتاب مشتملا على بيان الجريمة, واكنه غير خال من الإشارة إلى العقوية فى كثير من الأحيان. وتجىء العقوبة تبعاً ولاتجىء على أنها الأصلء ويجىء الكلام فيها موضحاً لمعنى الجريمة وليس موضحاً بالقصد الأصلى: لبيان حقيقة العقوبة.

والآن نتقدم بعون الله تعالى وتوفيقه إلى الكتابة فى العقوية على أنها الأصل المقصودء والغرض ال منشودء وإذا كنا ونحن تكتب فى الجريمة تعرضنا للعقوية تتميما للبيان, قلابد ونحن تكتب فى العقوية أن نتعرض للجريمة أيضاء لأن التلازم بين العقوبة والجريمة ثابت: ولايمكن بيان العدالة فى العقوية إلا بالإشارة إلى مقدار الجريمة فيكون العقاب شديدا إذا كاتت الجريمة شديدة فى آثارها وفى الأذى الذى ينزل بالمجنى عليه فإذا كان ما أحدثته الجريمة من ترويع شديداء كانت العقوية بمقداره. وإذا كان غير كبير كانت بمقداره أيضاً, وإذا كانت العقوية علاجا لأدواء الجريمة. فلابد من معرقة الداءء ليمكن تناسبالدواء.

إنى أحمد الله تعالى على ها أولى من نعم, وما وققنى قيه من عمل وأصلى وأسلم على النبى الأمى الذى بعث رحمة للعالمين» وكان بشيرا بالجزاء الحسن لمن عمل خيراً» ونذيراً بالعقاب لمن عمل شرأً؛ وعلى آله وصحبه الأكرمين, الذين كانوا نجوم الشرع. والهداة إلى توره يعد النبى المبعوث» وكان حقا على كل مؤمن أن يتبعهم باحسانء قيما يتقلون عن النبى عله ويهتدون فيه بهديه.

أما بعد.. فمنذ يضع سنين أخذنا فى كتابة بحوث فى الجريمة والعقوية قى الفقه الإسلامى: وأخرجنا الكتاب الأول فى الجريمة. وأنواعها وأركانهاء ومدى تحمل تبعتهاء ومن توصف أفعالهم بالإجرامء ويستحقون العقوية, كبروا أو صغرواء وكان لابد ونحن تتكلم فى الجريمةء أن نشير إلى العقويةء لتتميز الجرائم بحقائقها وآثارهاء فالجريمة والعقوبة عليها معنيان متلازمان. لايمكن أن تتميز حقاتقهما وهما منفصلتان انفصالا تاماء فمن طريق تمييز يعض الجرائم. معرفة العقوية المقررة عليها اجمالاء لذلك جاء القسم الأول من الكتاب مشتملا على بيان الجريمة: واكنه غير خال من الإشارة إلى العقوية فى كثير من الأحيان,» وتجىء العقوية تبعاً. ولاتجىء على أنها الأصلء ويجىء الكلام فيها موضحاً لمعنى الجريمة وايس موضحاً بالقصد الأصلى. لبيان حقيقة العقوبة.

والآن نتقدم بعون الله تعالى وتوقيقه إلى الكتابة قى العقوية على أنها الأصل المقصود. والغرض المنشود:وإذا كنا ونحن تكتب فى الجريمة تعرضنا للعقوية تتميما للبيان. فلايد ونحن نكتب فى العقوية أن نتعرض للجريمة أيضاء لأن التلازم بين العقوية والجريمة ثابت. ولايمكن بيان العدالة فى العقوية إلا بالإشارة إلى مقدار الجريمة؛ فيكون العقاب شديدا إذا كانت الجريعة شديدة فى آثارها وفى الأذى الذى ينزل بالمجتى عليه, فإذا كان ما أحدثته الجريمة من ترويع شديداء كانت العقوية يمقداره. وإذا كان غير كبير كانت بمقداره أيضاً» وإذا كانت العقوية علاجا لأدواء الجريمة» فلايد من معرقة الداء. ليمكن تتاسبالدواء.

واذلك سنخوض أحيانا كثيرة فى توضيح العلاقة بين العقوية والجريمة, والتتناسب بينهماء وإن ذلك يتقاضانا أن نمس الجريمة فى جنب من جنويهاء فإذا رأى القاريىء الكريم أن بعض ما كتبناه فى كتاب الجريمة سيتضمنه كتاب العقوبة فإن ذلك مما فرضه علينا نظام البحث. وان نئخذ من الكلام فى الجريمة إلا ماتمس إليه حاجتنا إلى التوضسيع والتنسيق بين الإجرام وعقابه فى كل بحث من يحوثنا .

وإنا وتحن نكتب هذا لانقصد تقريب الفقه الإسلامى مما نراه بين أيدينا من قوانين» لأننا لانعتقد أن ها فى هذه القوانين صور مثالية يعلى ما يقاريهاء ويسمو ما يدانيهاء ولأنتا تعتقد أن أصول العقاب فى الفقه الإسلامى وحى السماءء فلا يعليه أن يكون قريباً مما يشرعه اين الأرضء وإن الغاية فى الناحيتين مختلفة, فالفاية فى العقويات الأرضية موافقة ها يفعله الإنسان من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التى ارتضوها سبيلاء فمن يشذ عن هذه الأوضاع يتزل به العقابء وأما قانون السماء فقد جاء لإصلاح اليشرء وحملهم على الفضيلة. فإذا كانت الأوضاع لاتتفق مع مبادىء السماء. أو بالأحرى لاتتفق مع الفضيلة الإنساتية العلياء فإن القوانين السماوية تحاريها وتقومهاء تصلح أمر التاسء وتزيل كل وضع ' 'لانتفق مع السمى الإنسانىيء فإذا كانت الأوضاع تجعل ذات الملك أى الحاكم مصونة لا تمس, فإن شرائع السماء تقول: الجميع أمام شرع الله سواءء. وهى فوق كل الأوضاعء وقد نفذت أحكام الشريعة: والدولة الإسلامية غضة الإهاب. قد فتحت لها أيواب التنفيذء قلم يفرق السلف الصالح بين الملك والسوقة ولا بين الشريف والضعيف. ولابين الأمير والصغيرء فحكم الله تعالى واحد للجميع لاتختلف الأحكام باختلاف الأجناس ؛ ولا باختلاف الألوان» قحكم السماء لايحده إقليمء ولا ترى فيه من تفاوت. فالجميع عباد اللّه. وإذا كنا نتجه إلى القوانين الحديثة فى دراستناء قاننا نتجه إلى تقسيمها وتتظيم الكتاية فيهاء وتقارب فى هذه الناحية الشكلية, ولا نحاول التقريب فى الناحية الموضوعية: وإن تعرضنا للموضوع أحياناً فلبيان فضل الشريعة على القانون الوضعىء وما سبقت به القوانين كلها من حسنات.

وقد يتهمنا بعض أوأتك الذين لايحترمون ماضى أمتهم: ولا ما حفظه تراثها من خير, بأتنا نتعصب لشريعتناء وإنا لنبادر فنقول لهم إن التعصب لتراثنا الخالد خير من التعصب لمبادىء دخيلة علينا. وإننا نرى بعض الذين يكتبون فى القوانين الأوريية يتعصبون لها بأبلغ ٠‏

مما يتعصب المتدين لدينه (ويتشددون فى الأخذ بها بآكثر مما يتشدد صاحب الحق فى التمسك بحقه ويحسبون أنهم بذلك يحستون صنعا) فإذا تعصبنا لشريعتنا وفقهنا (فهو تعصب منا يدفع تعصبا منهم) وقد عز نصيره. وضعفت فى العمل صولته. على أننا - علم اللّه - ما تمسكنا بأن شريعتنا أمثل الشرائع, إلا لأننا رأينا القوانين الحاضرة: قد عجزت عن معالجة آفات المجتمع؛ والضرب على أيدى شذابه؛ وأن الأحكام التى تصدر تطبيقا لهذه القوانين يترتب على تنفيذها ضرر لايقل عن النفع فى الحكمء وسنبين ذلك فى موضعه من كلامنا إن شاء الله تعالى» هذا وإنا نضرع إلى الله العلى القدير أن يوفقنا فيما نكتبء فإنه لولا توفيقه سبحانه ما استطعنا أن نقدم للناس ما قدمناء سبحاتك لا علم لنا إلا ما علمتتا. إنك أنت العليم الحكيم. محمد أبوزهرة

لمجي

العقوية فى ذاتها أذى:

-١‏ يقول الماوردى فى تعريف الجريمة: (إنها محظورات شرعية زجر الله عنتها بحد أو تعزير) والحد أو التعزير هو العقوية المقدرة شرعاًء والفرق بين الحد والتعزير» أن الحد لأن العقوبة فى القصاص تكون مقدرة إلا فيما لا يمكن تقديره كبعض الجروح. وإن كان الإطلاق دائما فى الحدود على ما يكون حقا للّه تعالى: كحد الزنى والسرقة والحراية وقطع الطريقء ونحى ذلك ويعض الققهاء يطلق كلمة الحد على كل عقوية مقدرةء وظاهر القول أن الماوردى متهم.

-١‏ والعقوية فى ذاتها أذى ينزل بالجاتى زجراً له. فهى من الناحية الذاتية ضرر فى واحدا باعتدائه. فقد زدنا النقص واحدا آخر بالقود منه. للأمة فى ذاتهاء واكن قنانون المصلحة والمفسدة يحتم إنزال العقاب به. لأنه صار مصدر أذى للأمة أو لكل من يتصل به: فالقاتل أنزل أذى بالأمة كلهاء ولى ترك من غير عقاب لاسترسل فى قتل الأيرياء, ولم يجد من يكون على شاكلته من المفسدين من يزجرهم: ويمنعنهم من الإقدام على ما أقدم عليه.

فهنا قضصيتان توجبان العقاب: احترامة, واذا قال سيحانه يعد أن ساق قصة قتل قابيل لأخيه هابيل: (من أجل ذلك كتينا على بنى إسرائيل أنه هن قتل نفسا بغير نفس أى فساد فى الأرضء فكأنما قتل الناس جميعاً» ومن أحياهاء فكأنما أحيا الناس جميعاً)!) فهذا النص يعتبر الاعتداء على التفس اعتداء على حق الحياة. وهو قدر متساو عتد الجميعء فمن اعتدى عليه فقد اعتدى على الجميع.

)0( المائدة :

والقضية الثانية أن الامتناع عن إنزال العقوبة بالجانى فيه تعريض الجميع للأذى, وإذا قال سبحانته فى آخر النصء (ومن أحياها) أى بالقصاص لها (فكانما أحيا الناس جميعاً) وقال سبحانه فى نص آخر: (واكم فى القصداص حياة يا أولى الألباب) ومثل الشرع فى هذه الحال كمثل الطبيب يقطع يعض أعضاء الجسم ليسلم سائرهء ويقول فى ذلك عز الدين بن عيد السلام:

(ربعا كانت أسباب المصالح مقاسدء فيوّمر بها أو تباحء لا لكونها مقاسدء بل لكوتها مؤدية إلى المصالحء وذلك كقطع الأيدى المتاكلة حفظا للأرواح. وكالمخاطرة بالأرواح فى الجهاد» وكذلك العقوبات الشرعية كلها ليست مطلوية لكوتها مفاسد, بل لكون المصلحة غى المقصود من شرعها كقطع يد السارق» وقاطع الطريقء وقتل الجناة. ورجم الزناة وجلدهم وتعذيبهمء وكذلك التعزيرات كلها مفاسد أوجبها الشرع لتحصيل ما رتب عليها من المصالح المقيقية. وتسميتها بالمصالح من قبيل المجان بتسمية السبب ياسم المسيب)[) أى أن العقوبات سعيت مصالح لا لذاتهاء وآكن باعتبار ها يترتب عليها من مصلحة وهى المسبب.

؟'- فالعقوية أذى شرع لدقع المفاسد. ودفع القساد فى ذاته مصلحة: يل إن دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة: ويقول فى ذلك العز أيضاً: (الأطباء يدفعون أعظم المرضين بالتزام بقاء أدناهماء ويجليون أعلى السلامتين والصحتين ولا يبالون بقوات أدناهماء وإن الطب كالشرع وضع لجلب مصاحة السلامة والعافية, وأدرء مقاسد المعاطب والأسقام: وأدرء ما أمكن درءه من ذلكء وأحلب ما أمكن جلبه من ذلك).

وإنه بتفاوت أنواع الأذى التى تحدث من الجريمة تتفاوت العقويات فى الإسلام. فيمقدار الجريمة تكون العقوية, فالقصاص أساس العقويات فى الفقه الإسلامى» فمن قثل يقتله ومن فقأ عيناً تفقأ عينه, ومن ضرب يضرب.. وهكذاء فمقادير العقويات مشتقة من مقادير الجرائم فى الفقه الإسلامى.

وأكن يلاحظ أنه عند تقدير الجريمة لابد من اعتبار أمور ثلاثة:

أولها - مقدار الأقى الذى ينزل بالمجنى عليه.

القواعد الكيرى صس؟١ ج‎ )١( "1

وثانيها - مقدار الترويع والإفزاع العام الذنى تحدثه الجريمة.

وثالثها - مقدار ما فيها من هنك لحمى القضيلة الإسلامية, ومقدار الزجر والردع فى العقوية, فإن الزجر العام وأثر العقوية فى ردع المعتدين لكيلا يقع أحد فى مثلها - غرض من أغراض الشارع: وأعظم أهداقه, فالسرقة عقويتها لا تكون بالمساواة بين ذات المال المسروق والعقوية“ لأن الجناية ليست فى ذات المال وتقدر بمقدارهء وإلا لم يكن بينها وبين النصب أو الفش فرقء وهى تختلف عنهما فى كل الشرائع قديمها وحديثهاء فعقوية السرقة أغلظ فى كل الشرائع من عقوية النصب والاحتياله والسبب فى ذلك هو الترويع الذى تحدثه جريمة السرقة: لأنها عادة تحدث فى غفلة من الناسء وأكثرها يحدث يليل حيث يأمن التاس فى مساكنهم وأسرابهمء وحيث يطمئنون قى مأواهمء فإن سرقة فى حى تفزع الحى كله. فيقيمون الحراس ويحكمون المغالق. ويقلقون فى منامهم.

4- وإنتا لى رجعنا إلى أحكام المحاكم فى عقوية السرقة لوجدتاها تعظم كلما كان الاعتياد من غير نظر إلى مقدار المسروق» فقد يحكم على معتاد السرقة بعشر سنين فى سرقة حقيبة نقود» قد يكون ما فيها قروشا لا تغنى آخذهاء ولا تنقص من مال المسروق إلا قليلا؛ وذلك لأنها لاحظت الترويع الذى يحدثه السارقون. وتقدر العقوية بمقدار هذه الجريمة ويمقدار اعتياد السارقء لا بمقدار امال المسروق.

ولعل أقسى عقوية ثابتة بالنص القطعى فى الشريعة جريمة قطع الطريق» وهى التى تسمى جريمة الحرابة: وقد جاء النص القرأنى بها فقد قال تعالى: (إنما جزاء الذين يحاريون الله ورسوله. ويسعون فى الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبواء أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاقف. أى ينفوا من الأرضء ذلك لهم خزى فى الدنياء ولهم فى الآخرة عذاب عظيم + إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهمء فاعلموا أن اللّه غفور رحيم)().

ولاشك أن تلك الفاظة فى العقوية تتكافا مع الغلظة فى الجريمة. لا من حيث مقدار القعل الذى وقع منهم: بل من حيث الفساد الذى أوجدوه. والذعر الذى أذاعوهء والاضطراب الذى استولى على نفوس الناسء فإن أوائك يتفقون فيخرجون متعاونين على الإثم والعدوان

)0( المائدة : ؟؟

ويقطعون طريق السايلة: فلا يمر مال إلا أخذوه» ومن قاومهم قتلوه. ويضعقون هيبة الحكم, وتكون شئون الناس فوضى؛ لا ضابط ولا نظامء بل اضطراب وفسادء فلا عدل يقام والظلم يعب والشر يستشرىء فكان لابد من ردع قاس يتناسب مع هذا الجرم الكبير.

وإنه فى بعض البلاد الأمريكية تتكون العصايات التى تقطع الطرق»: وتكون لها قوة مسلحة بأحدث الأسلحة. وتغير على المصارف والخزائنء والشرطة لا قيل لها بمقاومتهاء حتى صارت هذه العصابات تتفاخ ربغاراتها ؛ كما كان يتقاخر الشطار فى عصور الجافلية. وكما كان يتفاخر قراصنة البحار الذين كانوا ينهيون ما يجنون من سفن بتجارات.

فهل إذا تجردت الدولة لهذه العصايات. وأنزلت بها عقوية القرآن: أيكون منها ذلك الشر المستطير وتستمر تلك الجرائم الخطيرة: فى البلاد التى تسكنها هذه العصايات.

ه - وأذلك قرر الفقهاء أن العقوبات التى تكون حماية للمجتمع وحق الفرد فيها : مندغم فى حق الله تعالى, وليس قائماً بذاته - لا ينظر فيها إلى مقادير الأفعال إنما ينظر فيها إلى مقدار انتهاكها لحرمات الله تعالى التى تحمى الفضيلة وتدفع الرذيلة, واذلك كان العقاب على السرقة القليلة بمقدار العقوبة على سرقة المال الكبير» فمن مسرق عشرا تقطع يده ما دام ينطبق عليه النص القرآنى والحديث التبوى: وهو فى ذلك كمن سرق عشرات الألوفء ومن شرب قدراً قليلا من الخمرء تكون عقويته كمن شرب قدراً كبيراً» ومن زنى بأمة ليست حرة تكون عقويته كمن زنى بحرةء وإن كانت عقوية الأمة أقل من عقوية الحرة: ولا -. فرق فى ذلك بين الزنى بذات نسب.ء والزنى يغيرهاء ومن قذف امرأة محصنة بالزتى؛ فإن عقويته محدودة: وهى ثمانون جلدة. لا فرق فى ذلك بين أن تكون التى رميت بالزنى نسيبة, أو غير نسيبة ولا بين أن تكون فقيرة أى غنية. وكذلك الأمر فى القاذف. لا يفرق فيه بين كبير وصغيرء بل إن القذف من الكبير أعظم أثراً» وأدنى إلى التصديق. وقد يقتدى به من دونه فتكون إذاعته الفاحشة أشدء وأوسيع نطاقاً» ولقد عاقب الإمام عمر رضى الله عنه ثلاثة من الصحاية لأنهم رموا رجلا بالزنى.

أما الجرائم التى تكون حقأ للعبيدء أو يكون لله حق فيهاء ولكنه ليس يغالب, فإن

العقوية تكون بمقدار الجريمة تماماًء بحيث يكون التساوى بين ما.وقع بالمجنى عليه وحده, ١‏

وما ينزل بالجانى من عقابء وإذا تعذر التساوىء فإن القصاص ينتقل من العقوية البدنية إلى العقوية غير البدنية, وإن كان للإمام أن يوجد عقوبة تعزيرية. لملاحظة حق الله تعالى.

بيد أن جمهور الفقهاء اتباعاً لجمهور الصحابة بالنسبة لجريمة القتل وعقوبة القصاصء قد قرروا أته إذا اشترك جماعة فى قتل واحد قتلوا به» وقد قرر ذلك الإمام عمر -رضى اللّه عنه- ونقذه فى قتيل قتل بصتعاء اليمنء وقال.. لو تمالا عليه أهل صنعاء لقتلتهم به. ذلك لأنه رأى أن فى ذلك مصلحة الناسء ولأن من لم يباشر بنفسه فقد باشر بعن سلطه, فهى يعد قاتلاء والقتل جزاء مَنْ قتلء لأنه لو لم يعاقب المشترك فى الجريمة لاتخذ الناس الاجتماع من اثنين أو أكثر ذريعه للقتلء والقرار من القصاصء قإن مريد القتل إذا خاف أن يقتص منه أشرك معه غيرهء ويذلك يقران معا من القصاص العادل: فكان لايد من عقاب صارم بالقصاص صيانة للأتفس» وسدا لذريعة الاعتداء.

العقوبة رحمة:

5 - وإذا كانت العقويات بكل صورها أذى لمن ينزل به. فهى فى آثارها رحمة بالمجتمعء وأسنا نريد من الرحمة تلك الشفقة التى تتبعث من الانفعال النفسىء بل نريد من الرحمة العامة يالناس أجمعين التى لا تفرق بين قبيل وقبيل» ولا جنس وجنس.

وهى الرحمة التى نزلت من أجلها الشرائع السماوية: وحاول اين الأرض أن يحققها, فتقاصرت همته دون ذلك. لأن أعلاق الأرض وما تورثه من نيرآن الحقد والحسد بين الناس والطوائف: تسيطر على سن القوانين: وإن سلمت التقفوس من أحقادها القردية لا تسلم هن أحقاد الجماعات بيعضها من بعضء وهكذا. أما شرائع السماء فإنها تنزل من عند رب البرية تنزل من الرحمن الذى وسعت رحمته كل شىء.

إن اللّه تعالى يقول لنبيه الكريم: (وها أرسلتاك إلا رحمة للعالمين)!') وليس من الرحمة الرفق بالأشرارء فلا رفق بالأشرار الذين ينقضون بناء المجتمع باعتدائهم: والذين يسخرون قواهم البدنية والعقلية للاعتداء فى علاقاتهم بين الناسء فينقضون عليهم إن وجدوا فرصة للانقضاض, ويخاتلونهم, ويكيدون لهم بالخديعة والغشء إن وجدوا غفلة استغلوهاء وإن وجدوا طريقا للايتزاز سلكوه.

٠١ 1/ : الأتبياء‎ )١(

- إن الرفق بهسؤلاء هى عين القسوة فى مؤداه. وإن كان ظاهره العطف فى صورته. واذلك قرر النيى ‏ فيما قرر من قوانين الرحمة أن من لا يرحم التاس لا يرحمه الشرعء فقال عليه الصلاة والسلام: (من لا يرحم لا يرحم).

ذلك لأن رحمة الإسلام بالكافة. ولقد أكثر عليه الصلاة والسلام من الدعوة إلى الرحمة. فقال عليه الصلاة والسلام: (ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء) وقال َه (لا تنزع الرحمة إلا من شقى) فلما أكثر عليه الصلاة والسلام من ذكرها سأله بعض صحابته. فقالوا؛ يا رسول الله قد أكثرت من ذكر الرحمة: وإنا نرحم أيناءتا وأزواجناء فقال عليه الصلاة والسلام ما هذا أريد (إنما أريد الرحمة يالكافة)» ويذلك ميز عليه الصلاة والسلام بين الرحمة والانفعال النقسى. فقال: إن الرحمة هى التى تعم؛ وهى استجاية لحكم العقل ولحكم الشرع؛ وليست استجاية لحكم العاطفة المجردة.

نعم إن العاطفة الكريمة الشريقة التى تتبعث: فترقً جروح المجروحين أمر مطلوب فى الشريعة الإسلامية؛ ولكن يشرط ألا تؤدى إلى تعويق الرحمة العامة التى تفرض العقوبة العادلة. واذلك يقول سبحانه وتعالى: (الزائية والزاتى قاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة. ولا تتخذكم يهما رآفة فى دين الله إن كنتم تؤمنون باللّه واليوم الآخر)().

ويهذا يتبين أن الرآفة بالجناة تتنافى مع الإيمان باللّه واليوم الآخرء مع أن اللّه تعالى وصف ال موّمنين يأنهم رحماء بينهم؛ قدل هذا على أنه ليس من الرحمة فى شىء الرفق بالجانى.

الفحل رحمة:

- إذا كانت الرحمة الإسلامية هى التى جاءت يها الرسالة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم السلامء بل جاءت يها النيوة الأولى - قلا شك أن إقامة العدل تدخل فى عموم هذه الرحمة: وإن الرسالات الإلهية قد جاءت لإقامة القسط بين الناسء وإقامة العلاقات الإنسانية على أساسين:

)١(‏ التوى : ؟ 1١‏

أولهما - المودة الواصلة التى يعد قطعها قطعا لما أمر الله به أن يوصلء وأنه ينبعث منها الرفق فى المعاملات والتسامحء والدفع بالتى هى أحسن,ء وهذه تكون قانونا عاما إذا لم يترتب عليها القساد أو نصرة الباطل كعقد المودة مع الذين يحادون الله ورسوله فى شرائعه وأحكامه, ومن يقيمون حرياً على الرسول. وعلى النظام الذى يقيمه, وقد قال تعالى فى هؤلاء (لا تجد قوما يؤمنون باللّه واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله. ولو كاتوا آياعهم أى أبناءهم آى إخوانهم أو عشيرتهمء أواتك كتب فى قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه)!!).

والأساس الثانى الذى تقوم عليه النيوات هو العدل والقسطاس المستقيمءلذا يقول سيحانه فى كتايه الكريم: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات: وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسطء وأنزلتا الحديد فيه بس شديد ومناقع للناسء وليعلم اللّه من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوى عزيز)!".

وإن هذا النصس يدل على أمرين:

أولهما أن الحديد ذا اليئس الشديد يجب أن يكون مع الميزان والقسط والعدالة: لأن العقاب سييل لتحقيق العدالة ومنع الفساد فى الأرض قال تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرضء ولكن اللّه نو فضل على العالمين).

والأمر الثاتى: أن العدالة فى أساس النبوات. فإن كانت الرحمة أمرا مشروها مطلوياء فلايد أن تكون متلاقية مع العدل. لآن الرحمة هى الوصف العام أكل ما جاءت يه التبوات. ويذلك تكون الرحمة ملازمة للعدل» قلا يكون عدل إلاومعه الرحمة العامة. ولا يمكن أن يطوى الظلم أى معنى من معاتى الرحمة.

وإذا كانت شريعة الإسلام شريعة الرحمة. كما قال تعالى (وما أرسلتاك إلا رحمة للعالمين) فإن أخص ما تتسم به شريعته هو العدل مع العدو. ومع الولى على سواء. فقد قال تعالى فى وصف الإسلام. (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القريى. وينهى عن القحشاءوالمتكر والتغى يعظكم لعلكم تذكرون)(.

واقد قال العلماء: إن هذه الآية أجمع آية لمعانى الإسلامواذا تلاها النبى عل على أولاد أكثم بن صيقى عندما جامءوا إليه يسالونه عن الإسلام لأن هذه الآية هى الجامعة لمعانيه؛ المبينة لمراميه. )١(‏ المجادلة : 79 0 (؟) الحديد:ه" (؟) التحل : ٠١‏

ل

لا رحمة قى ظلم:

9 - جرى على أقلام بعض كبار رجال القانون تلك الكلمة: (العدل قوق القانون, والرحمة فوق العدل).

والقضية الأولى بلا شك سليمة لا ريب فيهاء لأن القانون ما جاء إلا لخدمة العدالة» ولم تكن العدالة فى خدمة القانون: ولذلك يجب على القاضى الناقد اليصير أن يطوع نصوص القانون لمعنى العدالة فيما يعرض عليه من أقضية. فإذا تعصت ولم تطاوعه حكم بمقتضى النصء ونبه إلى ما فيه من ظلم: ليكون ذلك سبيلا لإصلاح القانون» وليبرىء ذمته أمام اللّه, ويحمل إثم الظلم ووزره على من وضمع القانون.

ولكن القضية الثانية» وهى أن الرحمة فوق العدلء لانقرها ولا نرضاهاء لأنها تقرر أن الظلم فيه رحمة. إن ماذا بعد العدل إلا الظلم» والظالم لا يمكن أن يكون رحيماء والظلم فى كل صوره لا يكون رحمة بالكافة أبداء إلا أن يمكن المجنى عليه من الظالم» ثم يعفى هو من بعد وليس ذلك إلا إقامة للعدل, وترك الأمر للمجنى عليه إن شاء أن يعقو عفا كريماء وإن شاء أن يقتص اقتص غير ظالم. وإن معنى الرحمة بالظالم من غير ذلك التمكين إقرار لظلم الضعيف وضياع لحقه وإشاعة للفساد قى الأرضء وإن أبا بكر الصديق كان أرحم الناس عندما قال رضى الله عنه: (القوى فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه. والضعيف فيكم قوى حتى آخذ الحق له). فتلك هى الرحمة الحقيقية.

وكان عمر بن الخطاب أرحم الناس عندما قال. (لآخذن يصماخ القوى حتى يأخذ الضعيف الحق منه).

قالرحمة الحق هى التى لا تطوى فى ثناياها ظلماء والتسامح الحق هو الذى يكون عن قدرة» ولا يقيم ظلماء أى يطوى باطلاء لقد كان خلق النبى عَلّهُ التسامح والرحمة والعدله قهو متسامح عادل رفيق؛ وهى أوصاف متلاقية غير متناقرة على النحى الذى أشرنا إليه. واقد وصقت أخلاقه زوجه أم المؤمنين عائشة -رضى الله عنها وعن أبيها- فقالت: (ما ضرب رسول الله بيده خادما ولا امرأة ولا دابة ولا شيئا قط إلا أن يجاهد فى سبيل الله, ولا انتقم من شئ قط إلا أن تنتهك حرمات الله فإذا اتتهكت حرمات الله لم يقم لفضبه شىء حتى ينتقم للّه).

1

هذه أخلاق الرحماء. يتسامحون فى حقوق أنفسهم التى لا يترتب على التسامح فيها نصرة للظلم أو إقامة للباطل. وهدم للحقء أما إذا وصل الأمر إلى حق الكافة. أو تصر الظلم» فعتدئذ يقومون ناصرين للعدل والحق وإن ذلك يفسر لنا قول النبى عَلله: (أنا نبى الرحمة وأنا نبى الملحمة) والملحمة هى الالتحام فى القتال لدفع الفساد قى الأرض؛ فا ملحمة والرحمة متلاقيتان فى قلوب الأنبياء كما تتلاقيان فى قلب كل حاكم عادل..

الرحمة العامة والخاصة:

٠‏ أسنا تقصد بالرحمة العامة التحرر من الرحمة الخاصة: فإن الإحساس يضعف

إلى

ويقول النبى عه (اللهم من ولى من أمر أمتى شيئًا قرفق بهم فارفق به. ومن ولى من أمر أمتى شيئا فشق عليهم فاشقق عليه) ولا يمكن أن يكون الرفق ودفع المشقة إلا من قلب رجل عمر بالرحمة الخاصة أو بالرافة أو بالشفقة.

وأقد جاء إلى عمر رجل قد اعتزم أن يوايه بعض ولاياته, فرأى عمر يقبل بعض وإده فقال الرجل: أو تقبل ولدك يا أمير المؤمنين ؟ فقال الفاروق الرحيم (وأنت ألا تقبل ولدك؟) قال: لا.. فقال الحاكم العادل الرحيم: (اذهب فإنى لا أوليك» من لا يرحم ولده لا يرحم رعيته).

فالرحمة الخاصة التى هى انبعاث تحى الضعفاء والأقريين لا تكون إلا فى قلب رحيم: ولا يتولى أمور الناس إلا نى قلب رحيم وعقل مدركء وإيمان بالحق صادق» وهى بعقله يوفق بين الرحمة العامة التى تستوجب العدالة وتدعى إليهاء وبين الشفقة الخاصة التى بهايحس باحساس المتئلين» وإذا تعارضت العاطفة الخاصة مع العدالة التى أوجبتها الرحمة العامة غلب الحاكم العادل العدالة.

وإن عمر ين الخطاب كان رحيما يولده كما رأيت» وأكن ذلك لم يمنعه من إقامة الحد عليهء حتى تلفت نفس وده من جراء ذلك» وكان رضى الله عنه إذا أمر التاس أمرا دعا وأده وسائر آل الخطاب. وقال لهم: (لقد عزمت اليوم أمرا ودعوت الناس إليه والله لا أوتى يمخالف متكم إلا ضاعفت له العقاب).

16

العقوبات فى الديانة السماوية:

١‏ - إن العقوية فى الإسلام. كما هى قى الشرائع السماوية تتجه إلى العدالة وحماية الفضيلة والأخلاق. وإنها فى اتجاهها إلى العدالة تتجه إلى أن تكون العقوية متساوية مع الجريمة وآثارها. وقد قلتا من قبل أنه فى الجرائم الواقعة على الآحاد والتى لا تكون العقوية فيها لحق الله تعالى: بل لحق القضيلة والمجتمع - تكون العقوبة مماثئة فى القدر للجريمة الواقعة على المجنى عليه.

ولقد جاءت التوراة يعقوية الققتصاص التى كان فيها التمائل يين الجريمة والعقوية. فقد قال تعالى مشيرا إلى ما جاء فى التوراة (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف. والأذن بالأذن. والسن يالسن, والجروح قصاصء فعن تصدق يه فهى كفارة له. ومن لم يحكم يما أتزل الله فثواتك هم الظا مون + وقفينا على أثارهم يعيسى اين مريم» مصدقا لا بين يديه من التوراةء وآتيناه الإنجيل فيه فدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين)(١),‏

ويهذا النص نتبين أن الأساس فى الجرائم الواقعة على الآحاد أو حق الآحاد فيها أكثر من حق المجتمع يكون الققصاص هو الأساس فيهاء وهى المساواة بين الجريعة وعقويتها. ومع ذلك دعا الدين إلى التسامح إبقاء على المودة الواصلة» ولكن يعد أن يمكن الشرع الولى من العقابء ويعطيه سيف العدل ليضرب يه.

وإن التمكين من القصاص هو الرحمة كما نوهنا من قبل. وكما نبين ذلك فى موضعه مز بحثنا. فى ثنايا بيان العقويات -إن شاء الله تعالى-. :

وإن العقوبات التى تكون لحماية الفضيلة لا ينظر فيها إلى مقدار الجريمة بالنسبة للمجنى عليه. إنما ينظر فيها إلى مقدار آثار الجريمة فى المجتمع. وقد أشرنا إلى ذلك من

والقضيلة التى عمل الإسلام على حمايتها هى الفضيلة الخلقية التى تنظم السلوك الإنسانى العام من غير نظر إلى إرضاء الناس» أو ملاءمتها لأغراضهم إذا كانت فاسدة. فلاتخضع للأوضاع, ولا لأعراف الناسء ولكن تحكم عليها بالخير أو الشر. )١(‏ المائدة : مغ لي

وهنا نجد على الإسلام فى نظره إلى الجريمة والعقاب عن الشرائع الوضعية, ذلك لأن العقويات التى تشتمل عليها القوانين الحاضرة: ليست مشتقة من الفضيلة المجردة: أو العدالة الحقيقية, بل هى مشتقة من أوضاع الناس وأعرافهم. والحكومات تضع القوانين لحماية نقسها أولاء ثم لحماية الأوضاع الاجتماعية"أيا كانت عادلة أ غير عادلة, فاضلة أى غير فاضلة.

لقد كاتت إرادة الملوك فى الماضى ويعض الحاضر هى القوانين: وما كاتوا يشرعون إلاما يكون فى مصلحتهم ابتداء وتوسعة رقعة ملكهم, والإعداد للحروب التى تمكنهم من هذه التوسسعة. وكان الناس يالفون ذلك عندما كانوا يعبدون ملوكهمء ثم عند ما أنزلوهم من مرتبة العبادة إلى مرتبة التقديس, ثم كانوا يظنون أن نواتهم مقدسة, وأنهم من طينة غير طينة الناس» واذلك نجد فى القوانين النظامية حتى الحديثة منها أن ذات ا ملك مصونة لا تمس. وأحاطها المطبقون للقوانين بهالات من التقديس أو الإجلال جعلتهم فوق المسئواية. وفوق

وفى البلاد التى زالت عنها الملكية المستبدة, وتحوات إلى جمهورية أى إلى ملكية مقيدة, يملك الملك فيها ولا يحكم - تجد العرف سواء أكان خيرا أم كان شرا له أثره فى التقنين. ولم يذهب تقديس الأشخاص الذين حلوا منها محل الملوك فصار التقديس لكبير لا ترد له كلمةء أو قائد يسيطر بقوة السلاحء وهكذا ترى الملكية قد زالت فى يعض هذه اليلاد أشكالها وإن لم تزل فى كثير من الأحيان معانيها. وانظر إلى الحكومات التى ظهرت فى أوريا قبل الحرب الأخيرة على أنقاض الحكم الملكى. فإنك تجد أشخاصا سسموا ياسم الزعماء فتغير الاسم ولم يتغير المعنى.

أما شريعة الله تعالى فإنها لا تتجه إلى الأعراف تحميهاء بل تتجه إليها لتصلحهاء وتقومها أو تهذبهاء وليس فيها ملك يحميه الملك إن ارتكب ظلماء أو من تحميه الأوضاع إن ارتكب إثماء بل الجميع أمام الله تعالى سواء. لأنه هى الحاكم فيها وهو خير الحاكمين؛ وهو القاهر فوق كل عباده. قلا عزة إلا إذا كانت منه سبحانه. ولا فاضل ولا مقضول عند ارتكاب الآثام, إنما الفضل فى التحلى بالفضائل والأخلاق ومُقدار الأخذ بها. ١/‏

وإن الحكم الإسلامى يقيد الراعى والرعية على سواء. ويطبق عليهما بقدر متساو فلا يفلت من حكمه الأقوياء. ويخضع له الضعقاء.

ولقد صاح محمد بن عبد اللّه ورسول الله بهذه الحقيقة عتد تدخل أشراف قريش ليمنعوا إقامة حد على شريقة سرقت فقال (إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه. وإذا سرق الضعيف قطعو»ء وأيم الله لى أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتيدها).

وبهذا تتحقق المساواة فى شريعة الديان» ولا يمكن أن تتحقق فى شريعة الإنسان؛ إن الناس جميعاً خلق الله لا فرق بين ملك وسوقة, ولا بين أبيض وأسودء ولا بين متحضر وغير

لقد كان الرومان فى الماضى يجعلون للقواد شرفا على الرعية ليس لقيرهم: وكانوا يجعلون لأعضاء مجلس الشيوخ مزايا فى القانون ليست لغيرهمء وقد توارث الناس الآن عتهم ذلك إن لم يكن بحكم النصوص فبحكم العمل. ويحكم ما يحاط يه القواد من هالات التقديس التى لاتقل عما كان للملوك.

ثم هذه أمريكا وأودياء أتسوى بين رعاياها مع اختلاف الألوان أى الأجناس؟ ذلك أن القانون مشتق من الأوضاع القائمة. لا من عدالة السماء المجردة التى تسوى بين خلق الله وترحمهم بالقوانين العادلة.

العقوبة فى الإسلام والضميد الاتسانى:

؟١-‏ إن الشريعة الإسلامية تتصل قوانينها بقانون السلوك الإنسانى العام:

فأحكامها تتفق مع قانون الأخلاقء والفضيلة, وهى تعاقب على ما يرتكب من الرذائل. بيد

أن عقايها قسمان: عقاب دنيوى» وهقاب أخروى. فما يمكن أن يجرى عليه الإثبات من

الأعمال الظاهرة من غير تجسس. ولا تكشف للأسرار المستورة بستر الله سيحانه وتعالى

يعاقب عليه الشرع فى الدنياء وما لا يمكن أن تجرى فيه البيانات. وليس ظاهرا مكشوفا ؛

ولا بيّنا معروفاء يكون العقاب عليه أمام الله سبحانه وتعالى يوم القيامةء فمرتكب الخطيئة 14

مأخوذ بما ارتكب لا محالة: إن أدركه الإثيات أخذ من نواصيه أمام القضاء فى الدنيا وحوكم على ها ارتكب ثم أمره إلى الله يوم القيامة» وإن لم يؤخذ بجريمته فى الدنياء إما لأنها غير قايلة للإثيات أى لأن المجرم استطاع النجاة من العقاب. ولم يكن ثمة إثبات فيما يمكن فيه الإثباتء فإن العقاب لاحق به فى الآخرة بلا ريب.

ومن هذا الجانب اتصلت الشريعة بالضمير الإنسانى: وكانت أحكامها متجاوية مع الوجدان القوي. وإن اتصال الحكم الدنيوى يالضمير الدينى يجعل المؤمن يحس بأنه فى رقابة مستمرة» وأنه إن خفى عن أعين الناس لا يخفى على الله من عمله خافية. إنه سيحانه يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور.

وإن اتصال القوانين بالضمير له مزايا جليلة» قهى يجعل الأفراد فى وقاية نفسية من الجرائم: قيمنع وقوع الجريمة. لخشيته من الله سيحانه وتعالى: ولإحساسه أن الله مطلع على ما يفعلء وأن عليه أن يخشى الله تعالى أكثر من خشية الناس» وأن الضمير الدينى يجعل المسلم مطمتنا راضيا بقضاء الله وقدره: يستقبل الأمور برضا واطمئنان, وإن لم يكن فيها كل ما يشتهيه ويهوىء ويذلك لايكون منه حقد على أحدء وإن الذين يرتكبون الجرائم ثم يقعون غالبا يسبب حقدهم على غيرهم من المجتمعء فيندقعون فى إيذاء الناس: وليست كثرة الجرائم إلا أمارة واضحة دالة على انقطاع صلة التراحم بين الثاس» وقد سمى العرب قى القديم الطائفة التى تخرج على الجماعة وتتولى قطع الطريق» والسرقة والنهب - بالشذابء وتلك تسمية حكيمة فيها إشارة إلى معنى انقطاع تلك الطائقة الآثمة عن الناس ومشاعرهم.

وإنه إذا تربى الضمير الدينى قويت الألقة. وذهب الحقد الذى يدفع إلى الإجرام.» وذهب الحسد فلا يحسد أحد الناس على ما آتاهم من فضله. لأنه يعلم أن اللّه هى الرزاق ذو القوة المتينء وأن الصابرين لهم جزاؤهم: وأن هناك يوما يؤتى فيه الصابرون أجرهم بغير حسابء وفى ذلك عزاء روحى يقتلع من النفس كل جراثيم الاعتداء.

وإذا لم يمنع الضمير الجريمة من الوقوع بأن لم تكن فيه قوة المنعء قإنه يسهل الإثبات. وإذا كانت الجرائم لا تقع إلا فى كن من الظلام مستترة غير ظاهرة, فإن الضمير الدينى قد يدفع إلى الاعتراف. وانظر إلى تلك القصة التى رويت عن على رضى الله عته.

1

فإنه روى أن رجلا وجد فى خرية بيده سكين متلطخة بالدم وبين يديه رجل يتشحط فى دمه فسأله على فقال: أنا قتلته. فقال على اذهيوا يه فاقتلوه. فلما ذهب يه جاء رجل مسرعا. فقال ياقوم: لا تعجلوا به. ردوه إلى على. فردوه. فقال: ياأمير المؤمتين: ما هذا صاحيه. أنا قتلته. فقال على للأول: ها حملك على أن قلت أنا قتلته. ولم تقتله ؟ قال: يا أمير المؤمنين. وما أستطيع أن أفعل وقد وقف العسس على الرجل يتشحط فى دمه. وأنا واقف. وفى يدى سكين وفيها أثر الدمء وقد أخذت فى خربة. فخفت ألا يقيل» فاعترقت يما لم أصنعء واحتسبت نفسى عند الله فقال: يسما صتعت. فكيف كان حديثك ؟ قال: إنى رجل قصاب خرجت إلى حانوتى فى الغلسء فذبحت يقرة وسلختهاء فبينما أنا أسلخها والسكين فى يدى أخذنى البول. فأتيت خرية كانت فدخلتهاء فقضيت حاجتىء وعدت أريد حانوتى. فإذا أنا يهذا المقتول يتشحط فى دمه:ء فراعتى أمرهء فوقفت أنظر والسكين قى يدىء قلم أشعر إلا يأصحايك قد وققوا علىء فأخذونى. فقال الناس-هذا قتل هذا. ماله قاتل سواه. فأيقنت أنك لا تترك قولهم لقولىء فاعترفت يما لم أجنه.

فقال على للمتهم الثانى: فأنت كيف كانت قصتك ؟ فقال أغوانى: إبليس» فقتلت الرجل طمعا قى ماله. ثم سمعت حس العسس.ء فخرجت من الخرية» واستقبلت هذا القصاب على الحال التى وصفء فاستترت منه يبعض الخرية. حتى أتى العسس فاخذوه., وأتوك يه. فأمرت بقئله, وعلمت أتى سأبوء يدمه أيضاء فاعترفت يالحق.

فقال أمير المؤمنين على لابته الحسن: ما الحكم فى هذا ؟

قال يا أمير المؤمنين: إن كان قد قتل نقسا فقد,أحيا نفساء وقد قال تعالى: (ومن أحياها فكأتما أحيا الناس جميعا) قخلَّى على عنهما ودفع دية المقتول من بيت المال(!١).‏ (1) الطرق الحكمية لابن القيم, ونقف هنا وقفة لالضمير قصيرة نلاحظ فيها أمرين: أحدهما: أن الإمام عليا عوض أوأياء القتيل من بيت المال. فلم يحمل عاطته الدية. ولعله ثيت له أنه كان هو وعائلته فقراء والديات التى تجب على الفقراء تكون من بيت المال - الأمر الثانى - أنه لم يذكر فى القصة أنه أنزل عقايا بالجاتى. وهذا لا يدل على أنه ترك تعزيره. وتستبعد أن إمام الهدى عليا يترك ذلك العمل الإجرامى من غير تعزير وإن كانت التوية قد بدت من عياراته قهى إن كان قد خلط عملا صالحا يجريمته. لا يمحوها ولكنه يخففها . الهم إلا أن يقال إن تقديم رقبته دليل قاطع على توبة طهرت نفسه من رجس الجريمة. فلا حاجة إلى التعزير» وفوق هذا لم يوجد حد للقصاص ولا للسرقة.

5

واقد بلغت قوة الضمير الذى يسهل إثبات الجريمة أن الرجل كان يأخذ وأده ليقيم عليه الحد إذا قام سيبه. فقد روى البخارى ومسطم أن رجلين اختصما إلى النبى عَله. فقال أحدهما اقض بينتا يا رسول اللّهِ بكتاب الله فقال صاحيه: نعم يا رسول اللّه اقض بيننا بكتاب الله وأذن لى» فقال الرسول عليه الصلاة والسلام قل: فقال ابنى كان عسيفا قى أهل هذا - أى أجيرا - فزنى بامرأته فافتديت بمائة شاة» وأن رجالا أخبرونى أن على ابتى جلد مائة وتغريب عام فقال عليه الصلاة والسلامء والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب اللّه: (المائة والخادم رد عليك. وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام).

ذلك سلطان الضميرء يجعل القاتل يقدم رقيته. والأب يقدم فلذة كيده وما ذاك إلا أن الأثيم يحس بسلطان الله سيحانه وتعالىء لأن القانون الذى يطبق هو قانونه, وهى أمره

ونهيه. (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)(").

وأن هناك فائدة ثالثة لسلطان الضميرء إذا كانت الأحكام التى تطبق ذات صلة بشريعة اللّه العليم الخبير, ذلك يأن الذى يكون عنده بقية من الدين يعتريه الندم عند إنزال العقوية به. لأنها عقوبة الرب التى حلت به جزاء ما اقترف, وإذا كان اندم فإن احتمال التوية يكون قريباء إذ أنه أول طريقهاء ذلك أن إيمانه باليوم الآخرء وأنه سيجازى عما يفعل من خير أو شر مع أن عقاب الدنيا يدفعه إلى الإذعان, ثم الرضا بما عاقبه به الله ثم التدم, ثم كمال التوية.

وإن الملاحظ قى تطبيقات القوانين البشرية أن المجرم إذا أفلت من العقاب ازداد ضراوة: وإن عوقب بالسجن أمدا طال أى قصرء فإنه يخرج منه. وقد اشتد آذاهء واستباح أموال الناس وكرامتهم ودماءهمء لأنه فى السجن تنهار آدميته فينهار معها ضميره؛ إذ لادين يردع ولا خلق يمنعء ولا إلف يقربء ولا ضمير يهذب.

واذلك يكشر الإجرام بمقدار ابتعاد القوانين عن الدين وبمقدار بعد القلوب عن الإيمان. وقد استبحر العمران, واتسعت الحضارة: وتعددت معها ضروب الإجرام واتسعت معها أبوابه: ذلك لأن النفوس قد انحرفتء فكيرت العقول. وضعفت القلوبء وكيرت أدوات الشر بمقدار كير العقولء واستمكنت من الناس بمقدار ضعف القلوب.

)١(‏ الأحزاب: لهذا ف

إن الشريعة طبقت قى عصبر الرسول وعصر الراشدين: وعصر الحكام العادلين» وإن التجرية تعطينا صورة اجتماعية مبينة لمقدار التفاوت بين شريعة الرحمن وشرائع الإنسان,» وإن نظرة واحدة بين حال جماعة تطيق الشريعة ومقدار الأمن فى ريوعهاء وحال مدينة من مدن أوريا التى تموج بالناس: وقد تقطعوا أوزاعا وهم لا يؤمنون بقاتون» لأنه من صقع البشر - ترينا مقدار أثر الإيمان فى القلوب والأقعالء قإن هذه التظرة ترينا أن الإجرام ‏ يسير مع الحضارة سيرا مطرداء فحيثما اتسع العمران كثرت فنون الإجرام؛ بخلاف الجماعات التى تطبق شريعة القرآن فانه كلما اتسع العمران مع بقاء الإيعان غضا قويا - ازدادت القلوب تهذييا. ققل مع ذلك الإجرامء قالحضارة الإسلامية فى عصر النبى كه وعصر الراشدين كانت تسير سيرا عكسياء كلما اتسعت الحضارة قل الإجرام.

ولقد ضعف وازع القانون بسيب أنه مأخوذ مما تواضع عليه الناس» حتى لقد وجدتا من العلماء - بل العامة - من يثور عليه, ويحسب أنه من اتفاق الأقوياء على الضعقاءء. أو من تحكم بعض الطبقات فى سائرها. ولئن تحررت النقوس يسبب الديمقراطيات الظاهرة

لتجدن بقادا الاستبداد أى تحكم بعض الطبقات فى القوانين إن لم يكن قى تصوصها ففى

واقد وجدنا تلك الثورة على القوانين والتوهين من شأنها يجرى على أقلام كتاب : القصصء ويعض الكتاب الأحرار مما يشجع الآثمين, ويجرىء المجرمين. ويمنع التوية» ويجعل من ينزل بهم العقوية لا يألفون التاس.

وإن الإسلام يدعو إلى التوية ويحرض الآثمين عليهاء حتى أنه يروى أن النبى عه قال: إن السارق إن تاب سبقته يده إلى الجنة, وإن لم يتب سبقته إلى النار.

وإن النبى عله دعا إلى عدم تعبير المجرمء حتى لا يكون بعيدا عن الناس؛ وقد سمع بعض الناس يعيرون من أقيم عليه الحد يقولون له: أخزاك الله فقال عليه الصلاة والسلام: لا تعينوا عليه الشيطان. 9

نظرية العقوية فى الفقه الإسلامى

5 - إننا فى هذا الجزء من بحثنا سنتعرض للأصول التى قام عليها العقاب الدنيوى فى الفقه الإسلامى, أما العقاب الأخروى فالأمر فيه إلى اللّه تعالى: وهى العليم الحكيمء وأنه إذا كان ذلك العقاب الأخروى أساس الصلاح فى الدنيا والآخرة: فإنه لا ينفذه قاض همن يخطئون ويصييون: وإنما ينفذه علام الغيوبء وهى خير القاصلين: فتحن نتعرض لقضاء الدنيا الذى تجرى فيه أحكامها على بينات وأيمان. تحتمل الصدق راجحاء وتحتمل الكذبمرجوحا. ش

() وإنتا فى هذا نيين كيف حارب الإسلام الجريمة ايتداءء والباعث على العقاب إن وقعتء وما يجرى فيه العقاب الدنيوى: وما يترك الأمر فيه إلى العقاب الأخروى. لا يتعداه إلى غيره.

(ج) ويشمل هذا الجزء أيضا متى يكون العقاب غليظاء ومداه ومدى التسامح فيه. ومتى تكون العقوية قصاصا من الجانى: ومتى تكون تأديبا له وزجرا عاما لا يلاحظ فيه مقدار الجريمة, وإنما يلاحظ فيه نوعها.

0 ويبين فيه أيضا الشبهات التي تدرا العقويات '' القاسية ومعانى الشجهة٠‏ وآثارها

وببين فى هذا البحث ن العقويات المنصوص عليهاء والعقوبات التى لم يجىء نص من نصوص الكتاب والسنة يها وهى التى تسمى العقوبات التعزيرية» ومن الذى يتولاهاء وما القيود التى تقيد بهاء وبيان أنه لم يكن الأمس فيها فرطا.

ثم نبين الأعذار المسقطة لبعض العقويات أو لكلهاء كما نيين أن القصد إلى الجريمة

من حيث هى شرط العقاب البدتى؛ ولا يشترط سيق الإصرار. نذا

الشريعة تعمل على منع الجريمة

6- تعمل الشريعة على منع الجريمة بثلاث طرق كلها يؤدى إلى ذلك.

أولها: التهذيب النفسى؛ فإن تربية الضمير هى الأساس الأول فى منع وقوع الجريمة: وإن العبادات الإسلامية كلها لتربية الضمير وتهذيب النفس» وتربية روح الائتلاف فى قلب المؤمن, والائتلاف هى الذى يكون درع الفضائل الاجتماعية كلهاء الواقى لها من غمارات الرذيلة فى النقس؛ فإن إحساس الشخص بأنه من الجماعة يعيش فى ظلها وحمايتهاء وأنها منه وهى منهاء يمنع التفكير فى الجريمة: أو يمنع الإصرار على التفكير فيها إن خطر خاطرهاء وإن لج به الخاطر يمنعه أى عائق يعوقه.

ولقد هذب الإسلام النفس بالعبادات التى قررهاء فالصلاة عمود الدين: إذا أديت على وجهها فى أوقاتها جلت صدأ القلوب وأذهبت أحقادهاء ففى أول اليوم يقابل ريه فى مناجاة خاشعة» فتنير قلبه. حتى إذا علاه الصدأ قليلا كانت صلاة الظهر قد وجبت. وهكذا حتى يبيت على مناجاة ريه كما ابتدأء ولكان الصلاة من الطهارة النفسية إن أديت كاملة قال اللّه تعالى: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمذكر)(),

والصوم له ما للصلاة من السمو والطهارة؛ والاتجاه إلى اللّه تعالىء لذا قال فيه النبى عن ربه: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لى وأنا أجزى به) فهى إذا أدى على وجهه مع فهم معناه كان وقاية من الجرائم, واذا قال عله (الصوم جنة) وقال تعالى فى شريعته: (ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون + أياما معدودات).

والزكاة تعاون اجتماعىء فيها مداواة النقوس الشاذة الشاردة بالعناية يهاء أو سد حاجاتهاء وإشعارها بحنو المجتمع عليها.

والحج تهذيب روحىء وتاليف إنسانى عام. وتخليص للعبد من المفرقات بين الأجناس والألوان والأقاليم» بحيث يكون الجميع بلباس واحد فى ضيافة الله تعالى.

وثانيها: تكوين رأى عام فاضسلء لا يظهر فيه الشرء ويكون فيه الخير بينا واضحا معلناء ولذلك دعت الشريعة إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر, واعتبر الإسلام البرىء

)١(‏ العنكيوت : ه4 0

مسئولا عن السقيمء إن رأى فيه اعوجاجاء وكان قادرا على تقويمه فعليه أن يفعل» وأن يقومه بلسانه وهدايته ودعوته إلى الخير مزخفير عنف ولا غلظة: بل يدعوه بالتى هى أحسن, كما قال تعالى (ادع إلى سبيل ريك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن)().

١‏ - ولم تكتف الشريعة بذلك التكليف العام الذى يقوم به كل واحد من المجتمع إن رأى سوءا يستطيع إزالته» بل أوجبت أن يكون من الأمة من ينصب للهداية وتقويم المعوج» كما قال تعالى (واتكن منكم أمة يدعون إلى الخيرء ويأمرون بالمعروف وينهون عن ال متكر وأوائك هم المفلحون)() فالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر تهذيب عام؛ وفيه تعاون على البر والتقوى. ودفع الإثم والعدوان: أو منع الجرائم من أن تقع؛ وهى يعمل على تاليف القلوب

وإنه مما يكون رأيا عاما فاضلا خلق الحياءء فإنه يؤلف بين الناس ويجعل الشخص بحس بسلطان الرأى العام على نفسه. وأن الرذيلة التى تؤدى إلى ارتكاب الجريمة وتعودها - انطلاق من كل القيود الاجتماعية والحياء إحساس قوى بالقيود النفسية التى تجعل للجماعة وما يرضيها مكانا فى نقسه.

ولذلك حث الإسلام على خلق الحياءء ودعا إليه النبى عله وأكثر من الدعوة فقد قال عليه الصلاة والسلام مبينا أن الحياء هى القيد الخلقى الاجتماعى (إن مما توارثه الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فافعل ما شئت) ولقد قال عليه الصلاة والسلام (الحياء خير كله) واعتبر النبى الحياء خلق الإسلام الذى يتميز به. وإذا قال عَل: (لكل دين خلق» وخلق الإسلام الحياء).

ولا شك أننا إذا عالجنا النفوس التى أصابتها آفة الجريمة بيث روح الحياء فيها تكون قد قرينا بينها وبين الناسء وجعلناها قريبة مما يالفون» فلا يكون منها ما تنكره الجماعة, وبالتالى لا يكون منها إجرام إن لم تذهب من النفس نوازعه؛ فإنه تقل وقائعه.

ولعل ما ثراه فى السجون من هتك حجب الحياء فى نفس المسجونين من الأسباب التى تدفع إلى الجريمة, أو على أن تفقد الفضيلة قوة من قواها الفعالة التى تبنى فى

النفس قواعدهاء وتعطيها حصانة دافعة. )١(‏ التمل : )١( ١0‏ آل عمران : ٠١4‏

"6

ولكى يكون الرأى العام طاهرا نقيا لا تظهر فيه الأحداث التى تقذى بها العيون, والمآثم التى تحرج النفوس منع الإسلام من إعلان الجريمة. وعد الجريمة المعلنة جريمتين» جريمة الفعلء وجريمة الإعلانء ولذا يقول النبى عَلله: (أيها الناس من ارتكب شيئًا من هذه القانوراتء فاستتر فهى فى ستر اللّه. ومن أبدى صفحته أقمنا عليه الحد) وقال عليه الصلاة والسلام: (إن من أبعد الناس منازل عن اللّه يوم القيامة المجاهرين ؟ قيل: ومن هم يارسول اللّه ؟ قال ذلكإلذى يعمل عملا بالليل» وقد ستره اللّه عليه فيصبح يقول فعلت كذا وكذاء يكشف ستر الله). ْ

إن ستر الجرائم من شأنه أن يجعل الإثم ينزوى فلا يظهرء وقد يكون ذلك سبيلا لتربية ضميره وتهذيب نفسه؛ فإن خشيته الإعلان تجعل نزعات الشر يضعف صوتها شيئا فشيئاء وريما تكون النهاية هى التوية والإنابة إلى الله تعالى: وإن الإعلان يجعل بقايا الضمير تنهار شيئا فشيئاء حتى تكون الاستباحة المطلقة» وخلع ربقة الفضيلة.

وإن الذين يعلنون الجرائم يدعون إليهاء ويحرضون عليها بإعلانهم؛ وقد عدهم الله مشيعين للفاحشة: وأذا قال سيحانه (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فئ الذين آمنوا لهم 1 عذاب أليم فى الدنيانوالآخرة)(),

١‏ - والأمر الثالت الذى تتخذه الشريعة ذريعة لمنع الجريمة هى العقاب على ما يقع منهاء فإن العقاب ردع للجانى» وزجر لغيرهء ومنع لتكرار الوقوعء ودّلك ببيان وخامة نتائجه بالحس والعيان, لا بالفرض والتقديرء وأذا كانت العقوية أمرا لابد منه لتطهير المجتمع من . أوضارهء واستئصال جراثيمه, أى تخفيف ويلاتها, ولكن بشرط أن يكون العقاب غير مفسد هو بنفسه؛ فمن العقاب كالحبس الآن ما يكون إيذاء للمجرم: ولكنه يجعل أسباب الجريمة تغوص جذورها فى نقسه. وإذا كان هذا يقيد فى الزجر العام فهو يقتل طائفة كان يمكن أن تكون قوة عاملة؛ إذ تدخل السجن؛ وقد مرض عنصر من عناصرهاء فيعم الداءكل أجزائها. وإن الشريعة الإسلامية قد اتجهت إلى العقاب الذى يردع الجانى ويزجر غيره. ميقية على نفسه من أن يصيبها درن الشر فى القلب. فيمزقها كما يمزق الدرن رئة المسلول.

واننته من هذه المقدمات لنتجه إلى عناصر البحث؛ وأولها الغاية من العقاب.

١5 الثور:‎ )١( فى‎

الخاية من العقاب

8 - الغاية من العقاب فى الفقه الإسلامى - أمران: أحدهما: حماية الفضيلة وحماية المجتمع من أن تتحكم الرذيلة فيه. والثانى: المنفعة العامة أو المصلحة؛ وما من حكم فى الإسلام إلا كان فيه مصلحة الناسء وإذا يقول سيحانه وتعالى (قد جاءتكم موعظة من ريكم وشفاءلما فى الصدورء وهدى ورحمة للمؤمنين)() وقال النبى عَللّه (لاضرر ولا ضرار) وإن النصوص القرآنية الكثيرة تدل على أن الفساد ممنوع بحكم الشرعء وأشد ما يرمى يه المشركون والمنافقون أنهم مفسدون, وليسوا مصلحين كما قال تعالى فى وصف المنافقين: (ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون)!') وقد وصف اللَّه المؤمنين بأتهم (لا يريدون علوا فى الأرض ولا فسادا)('). وقد قال تعالى فى وصف الحاكم الظالم:(وإذا تولى سعى فى الأرض ليفسد فيهاء ويهلك الحرث والنسلء واللّه لا يحب الفساد)!؟),

وفى الحقيقة