الإمام محمد أبو زهرة

التكافل الإجتماخن فى الإسلام

ملتزم الطبع والنشر

داو الفكر العربى

الإدارة : ١١‏ شارع جواد حسئي ص 1١.‏ القاهرة -ت: رف اضة

6 محمد بن أحمد أب زهرة , 1444 - 191/4 . م تاك : التكافل الاجتماعى فى الإسلام / محمد أبى زهرة . - ط ؛ جديدة . - القاهرة : دان الفكر العربى .,3955١‏ 2 .

41اض ؛ 4" سم .

يشتمل على إرجاعات ببليوجرافية .

١‏ - الإسلام والمجتمع . ؟ - الإسلام - حركات الإحياء والإصلاح والتجديد ٠١‏ - العنوان .

مسرت درسم ١‏ المؤتة الشعودية بمشسر مطبعة المحدف 14 شايع الباسية + الذاهرة ات ااام

لي 0 يا بكرم الا ب 10 5 .4 رسك لك الحمد على ما هديت وأنعمت, لك الثناء كله وعلى نبيك محمد أفضل الصلاة وأتم السلام, ولصحابته وآله الذكر المحمود؛ وعليهم الرضوان. أما بعد: فإن معهد الدراسات الإسلامية قد قرر أن يكتب عن التكافل الاجتماعى فى الإسلام وأن يدرس فيه.

وقد عهد إلى أن أكتب فى هذا الموضوع وأن أدرسه فاتجهت إلى الله ضارعا أن يمن على بتوفيقه, فإنه لولا توفيقه وهدايته ما استطعنا عملا صالحا .

وقد رأيت أن أكتب فى الموضوعات الآتية» وهى تصور بناء ذلك المجتمع الإسلامى:

-١‏ المجمتع الفاضل فى الإسلام وفيه بيان الفردية والجماعية وحكم الإسلام, كما أن فيه الحرية الفردية وحق المجتمع وما يتصل بذلك.

؟- الملكية وحدودها- ملكية الأراضى - ملكية المعادن,

"- العمل وتمكين القوى والموا هب من أن تعمل فى طاقاتها .

والكقارات: وعن تنفقة الأقارب: وعن الوقف الخيرى.

وأنه إذا ت لنا يعونه تعالى الكتاية : هذه الأبوان تكون قد وضعئا صورة جد 1# نم كنا ان به فى بق ب فى الإسلام؛ ونرجوها واضحة مشرقة؛ وائن تم ذلك فبفضل الله وتوفيقه؛ فهو ولى التوفيق,

محمد أبو زهرة

تهريف بالشيخ الإمام محمد أبو زهرة

. الإمام محمد أب زهرة غنى عن التعريفء إذ لا يختلف اثنان على أنه كان إمام عصره بلا منازع:؛ ولكن من حقه عليناء ومن حق قارئه» أن نسطر عنه كلمات ولق فى أسطر قليلة تشير إلى نشأة ذلك الإمام, والجى الذى ولد وعاش فيه والمواقف الشجاعة فى الإصلاح الاجتماعى والإسلامى: ول أدى الأمر إلى الوقوف ضد اتجاهات السلطان.

71هءفى التاسع والعشرين من شهر مارس عام 1494١م.‏ فى المطة الكبرى إحدى مدن محافظة الغربية.

وأسرة أبى زهرة يتتهى نسبها إلى الأشرافء ولكنها لا تدعى ذلك كما يفعل الكثيرون, ممن يرفعون بذلك النسب خسيستهم؛ وإن كانوا فى واقع حالهم لا ينستحقون الرفعة,

- بدا الشيخ حياته التعليمية فى الكتاب. شأن كل أزهرى فى ذلك الوقتء ثم المدرسة الأولية حيث تعلم مبادئ القراءة والكتابة, ثم انصرف إلى المدارس الراقية» وبها أتم حفظ القرآن الكريم» وتعلم مبادئ العلوم المدنية كالرياضة والجغفرافياء بالإضافة إلى العلوم العربية» وفى سنة 1111م التحق بالجامع الأحمدى بطنطا حيث ظهر نبوغه وتفوقه على أقرانه مما أثار إِعْجِابٍ المحيطين به من زملاء ومريين. وقى عام 1911م دخل الإمام محمد أبى زهرة مدرسة القضاء الشرعى بعد أن اجتاز امتحان مسابقة كان أول المتقدمين فيه, ورغم فارق السن؛ وعدد سئوات الدراسة بيئه وبينهم.

- وقد تنقل رحمه الله فى عدة مناصب بين كلية أصول الدين: وكلية الحقوق» وتدرج بالأزهر فى فبراير عام 1517؛ وهى المجمع الذى يعتبر بديلا لما كان يسمى فى الماضى هيئة كبار العلماء. ظ

بتحدث عن نفسه: يقول:

- اختلطت حياتى بالحلووالمر» وابتدأت حياتى العلمية بدخول المكتب لحفظ القرآن الكريم» وإذا كان النيات قيل أن يستغلظ سوقه يعيش على الحب المتراكب, وقد يرى بالمجهر سورة النبات فى ذلك الحبء فكذلك ينشا الناشئ مثاء وفى حبته الأولى فى الصبا' تكمن كل خصائصه فى الكبرء وكنت أشعر وأنا فى المكتب بأمرين ظهرا فى حياتى فيما بعد.

الأمر الأول : اعتزازى يفكرى ونفسيء حتى كان يقال عنى أنى طفل عنيد.

والأمر الثانى : أن نفسى كانت تضيق من السيطرة بغير حق.

وبسبب هذين الأمرين كانت حياة الشيخ أب زهرة سلسلة من المواقف الشجاعة, يناضل فى سييل الحق ضد الباطلء ولم يرحل عن دنيانا إلا وقد ترك ثرؤة” من الفلوم الشرعية الإسلامية التى تحيط بكثير من الموضوعات من كل جوانبها. فهو الكنز الذى لاينفدء والنبع الذى لا يزال يتهل منه الظامئون, ولا يضيق بكثرة الناهلين,

رحمه الله رحمة واسعة: وجزاه خير ما يجزى عال ما عاملا لم يرد إلا العزة والرفعة

للإسلاموالمسلمين,

الناشر

محمد محمود الخصرى

١

التكافل الاجتماعى فى الإسلام

-١‏ يقصد بالتكافل الاجتماعئ فى معنا اللفظى أن يكون آحاد الشعب فى كفالة جماعتهم؛ وأن يكون كل قادر أو ذى سلطان كفيلا فى مجتمغه يمده بالخير: وأن تكون كل القوى الإنسانية فى المجتمع متلاقية فى المحافظة على مضالح الآحادء ودفع الأضرار, ثم فى المحافظة على دقع الأضرار عن البناء الاجتماعى وإقامته على أسس سليمة؛ ولعل أبلغ تعبير جامع لمعنى التكافل الاجتماعى قوله عليه الصلاة والسلام: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا»؛ وقوله عليه الصلاة والسلام: «مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»,

والتكاقل الاجتماعى فى مغزاه ومؤداه أن يحس كل واحد فى المجتمع بأن عليه واجبات لهذا المجتمع يجب عليه أداؤهاء وأنه إن تقاصر فى أدائهاء فقد يؤدى ذلك إلى انهيار البناء عليه وعلى غيره, وأن للفزد حقوقا فى هذا المجتمع يجب على القوامين عليه أن يعطوا كل ذى حق حقه من غير تقصير ولا إهمال؛ وأن يدفع الضزر عن الضعفاءء ويسند خلل العاجزين: وأنه إن لم يكن ذلك تآكلت لبنات البناءء ولا بد أن يخر منهارا بعد حين.

وأن التكافل الاجتماعى يوجب على القوامين توزيع الأعمال بمقدار المواهب والقوى وتعرف قوة كل ذى:قوة, ومواهب ذوى المواهب: ليعمل الجميع فى اتساقء ويقوم المجتمع على ميزان ثابت ينين به عمل العاملين من غير إهمال لقوة عاملة ولا إغفال لمقدرة خاملة,

وإن التكافل الاجتماعى يوجب أن يكون الناس جميعا متساوين فى أصل الحقوق والواجبات» ويوجب أن تكون نتائج الأعمال بمقدارهاء فذى الكفاية الممتازة له من الثمرات بمقدار كفايته, وذى الكفاية المحدودة يكون له بمقدارها من غير تجاوز للحد ولا شطط, ‏ -

وإن التكافل الاجتماعى يوجب سد حاجة المحتاجين ممن لا يستطيعون القيام بعمل, يسد عجز العاجزين» ويهيئ العمل للقادرين» ويربى النشء تربية تظهر القوى والمواهب, فالذين يخرجون إلى الحياة وقد فقدوا الآباء الذين يعولونهم ويرعونهم, فإن التكافل يوجب تعهدهم ليكونوا لبنات قوية فى بناء الجماعة. وإن الذين يعجزون بعد القدرة من العاملي.- على المجتمع أن يسهل لهم الحياة: وفاء ما قدموا من لخدمات.

. وإن التكافل الاجتماعى يوجب العمل على سلامة كل قوى الآحاد لتسير فى قافلة

المجتمع العاملة,

المجتمع الإسلامى تكوين رأى عام فاضل

؟- الإسلام جاء لإيجاد مجتمع فاضل تتعاون فيه كل القوى بحيث لا يطفى فريق على فريق؛ وأول مظهر للمجتمع الفاضل فى الإسلام: هو وجود رأي عام فاضل يتغاون على الخير ودفع الشن. فإن المجتمع فى مظهره العام يكون بيئة صالحة لآن تترعوع فى ظلها الفضيلة وتختفى من نورها الرذيلة,

وإن الرأى العام له رقابة نفسية تجعل كل شرين ينطوى على نفسه. فلا يظهر» وكل خيّر يجد الشجاعة فى إعلان خيره فيظهره؛ وإنه لا يهذب الآحاد إلا الرئى العام الفاضل, ولا يفسد الجماعة إلا الى العام الفاسيد الذى يتقاعد عن نصرة الفضيلة: ويترك الرذائل رافعة رأسها.

ولأجل تكوين رأى عام فاضل حث الإسلام ملي الأمن بالمعروف والتهى عن المذكر, فأوجب الإرشاد العام ليمتنع الضال عن شروره؛ ويسير الخير فى طريقه؛ وذلك بإرشاد الفضلاء فتكون الجماعة فى فضيلة ظاهرة تتعاون على الخير ولا تتعاون على شر قط.

وإن القرآن جعل الوصبف الخاص الذى تعلى به الشريعة الإسلامية هى الأمر بالمعروف والنهى عن المتكر. فالجماعة الإسلامية فى القرآن تعد خير أمة أخرجت للناس إذا تمسكت بهذا المبدأ الذى يكون مجتمعا فاضلا وهو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكرء ويذهب عنها الشرء بل ينحل مجتمعها إذا تخلت عن هذا الواجب المقدس7, ا

وإن الجماعة كلها تكون آثمة إذا رأت الشس يسيس رافعا رأسه وتسكت عنه؛ وإن الجماعة تكون شريرة إذا كان الشر يسير فى طريقه ولا يوجد من يذكره, لأن الشر الذى يظهر على السطع هى الذى يغرى الناس به ويدعى إليه. وإن الأمة كلها تعتبر مشتركة مع الآشين إذا رأت الآثم ولم تعمل على منعه, ولقد ذم القرأن الكريم بنى إسرائيلء الأنهم أفسدوا مجتمعهم بترك الأثمين يرتعون فى إثمهم من غير أن ينهوهم”. )١(‏ ورد النص بذلك فى قوله تعالى « «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله». (سورة آل عمران الآية: )١١١‏ (1) من ذلك قوله تعالى: : «لعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك يما عصوا وكانوا يعتدون » كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه؛ لبئس ما كانوا يفعلون» (سورة المائدة الآية //!: ) فاعتيروا جميعا عصاة لأنهم لم ينهوا العصاة. له 1

- وإن الآثمين إذا تركوا من غير رادع من رأى عام قوام مهذب هدمو يناء المجتمع, وإذا لم يخذ الفضبلاء على أيديهم سقطوا جميعا فى الرذيلة ووراء هذه الهاوية ولا تقوم من بعدها للأمة قائمة إلا إذا غيرت حالهاء فيغير الله تعالى ما بها وإن الله لاايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم, ٠‏

. ولقد قال النبى عله فى هذا المعنى: «مثل المدهن فى حدود الله (أى الذى لا يقيم الحق ويخفض الباطل ملقا أى تهاونا أو مجاملة) مثل قوم استهموا فى سفينة؛. فصار بعضهم فى أسفلها ويعضهم فى أعلاهاء فكان الذى فى أسفلها يمر بالماء على الذى فى أعلاها. فتأذوا به. فأخذ فأسا فجعل ينقر أسفل السفينة فأتوه؛ فقالوا: مالك؟ قال: تأذيتم ولا بد لى من الماء؛ فإن أخذوا على يديه أنجوه ونجوا بأتفسهم. وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم», |

وإن هذا المثل النبوى الذنى ضربه محمد لَللّهُ يصور التعاون فى إيجاد مجتمع فاضلء والتكافل الاجتماعى فى محاربة الآفات الفكرية والخلقية والاجتماعية. ويبين أن الرشيد عليه أن يهدى الضالء »وأ العالم عليه أن يعلم الجاهل, ؛ ولقد قال على بن أبى طالب رضى الله عنه: دلا يسال الجهلاء ملم يتعلموا حتى يسال العلما ءلمَّلَمْ يعلموا».

وإن ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المذكر لا يؤدى إلى إفساد الجماعة فقط بل يؤدى إلى تفرقها وتنابذها. ولقد قال فى ذلك النبى عله «لتأمرن بالمعروف وإتنهون عن المذكر واتأخذن على يدى الظالم» ولتأطرنه على الحق أطراء أو ليضرين الله بقلوب بعضكم على بعض» (أى تتفرق القلوب ويذلك ينخل البنا » الاجتماعى) ثم تدعون فلا يستجاب لكم.

4- وإن ن الاسلام فى سبيل إيجاد مجتمع فاضل تختفى فيه الرذيلة ولا يظهر فيه إلا ما هى فاضل قد حث على أمرين:

أولهما- الحياء: إن هى أساس اللياقة فى المجتمعات: إذ الحياء يحمل المرء على ألا يظهر منه ما ينفر مثه الذوق السليم ولقد قال النبى عَلله: «لكل دين خلق» وخلق الإسلام الحياء». وقال عليه الصلاة والسلام: «الحياء خير كله» كما قال: «إذا لم تستع فاصنع ما شئت». أى أن الخياء قيد اجتماعى نفسى إذا فك انطلقت الفرائز الإنسانية معلنة شرهاء لا يستتر فيها ما ينبغى استتاره وإنه إذا ساد الحياء وانضبطت النفوس بضوابط من اللياقة

8

الاجتماعية كان التالف بين الآحاد وعدم التنافر» فيكون الشخص ممن يألف ويؤلف وإن هذه صفة المؤمن؛ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «المؤمن مألفء فلا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف» ولا يقوم البناء الاجتماعى إلا إذا كانت كل لبناته متالفة, يتماسك يعضها فى بعض.

الأمر الثانى- الذى حرص عليه الإسلام: هو أن يكون المجتمع لا يظهر فيه إلا القضائل. وتستتر الجرائم» فلا تكشف أستار الجرائم أمام الناس؛ وقد تكون العقوية علنية, ولكن الجريمة يجب ألا يعلم أمرها إلا مع عقوبتهاء لأن إغلانها يفسد الجى للمجتمع ويجعل الشر ظاهراء وظهوره يغرى باتباعه. ويشيع القساد,ء إن الرذيلة إذا أعلنت اتيعت: وكل نفس تميل إليهاء وتجد ما ينمى ذلك الميل» ولذلك اعتبر الإسلام من ارتكب جريمة ويعلنها قد ارتكب جريمتين: جريمة الارتكاب وجريمة الإعلان؛ ومن أعلن جريمة غيرهء فقد شاركه فى إثم ما ارتكب بمقدار ما أعلن.

ولقد صاح محمد بهذه الحقيقة فقال فيما رواه الشافعى فى مسنده: «أيها الناس من ارتكب شيئا من هذه القاذورات فاستتر فهو فى ستر الله تعالى, ومن أبدى صفحته أقمنا عليه الحد» فالعقوبات الشديدة الفليظة فى الإسلام تكاد تكون لإاعلان لا لاصل الارتكاب. ٠‏

ولقد قال النبى مله «إن من أبعد الناس عن الله منازل يوم القيامة المجاهرين, قيل: ومن هم يارسول الله؟ قال: الذى يعمل عملا بالليل قد ستره الله تعالى عليه. فيصبح يقول فعلت كذا وكذاء يكشف ستر الله».. 0 |

ه- وهكذا نرى أن واجب المزمنين أن يتضاقروا فى إيجاد مجتمع فاضلء ولا يسكت موّمن منهم عن الدعوة إلى الحقء» بل إن التكافل الاجتماعى الخلقى يوجب عليه أن يسهم فى بناء المجتمع الفاضلء فيمئع شره؛ ويدفعه إلى الخيرء ولقد نهى النبى مله المؤمن من أن يقف على الحياد فى معركة الخير والشرء بل عليه أن يكون عنصرا إيجابيا عاملا. فقد قال عليه الصلاة والسلام: «لا يكن أحدكم إمعة. فيقول: إن أحسن الناس أحسئنت فإن أساءوا أسأت: بل وطنوا وا أتفسكم إن أحسن الثاس تحسنو) وإن أساءوا تتجنبوا الإساءة», لايظهر فيه إلا الخير: .

٠٠

الفردية والإجتماعية فى الإسلام 1- فى العالم الآن نظامان بارزان والناس من بعد ذلك يتقاريون إلى أحدهما أى

. أول هذين النظامين يتجه إلى ملاحظة الفردية وإعطا ء الحرية ة لاتحاد. ليواجهوا نشاطهم أفرادا وجماعات فى حرية منطلقة فى حدود المجتمع؛ وتتلاقى قواهم جميعا فى خدمة أنفسهم وغيرهم من غير اعتداء» ومن وراء هذا تكون قوة المجتمع» فالنظر فى المجتمع إلى تقوية آحاده؛ على أن.يقوم كل فرد للدولة بما لها من حقوقء والإنتاج فى هذا النوع من النظام للآحاد منفردين أو مجتمعين فى شركات استغلالية, ولا تتدخل الدولة فى إنتاج: ولا تتولى عملا من الأعمال التى يمكن أن يقوم بها الأفراد» أى تقوم بها شركات مكونة من هذه الأفراد» بل إنها تنظم العلاقات بينها وتنسق بِين أعمالها من غير تدخل فى شئونها إلا بالقدر الذى يحقق لها ما تفرضه عليها من التزامات.

وإنه فى ظل هذا النظام يكون التعليم حراء بل إنه فى بعض هذه الدول تتولى الذراسات العليا جماعات من الأمة. وتتولى معاونة الضعفاء جماعات أيضا من الآحاد ويتبعون فى ذلك الإرشادات الخلقية والدينية والاجتماعية.

ونرئ أن ظاهر هذا النظام هى حرية فى الإنتاج والعمل: وكل ما يتعلق بالتكافل لبناء المجتمع» وعلى الدولة التنسيق بين القوى المختلفة وجعلها متالفة غير متعارضة وحماية عملها وإنتاجها بكل الأسباب القائونية,

والنظام الثانى يقوم على رعاية المجتمع أولا وبالذات» وأن الأفراد يرغمون فى بناء المجتمع» فلا حرية لهم إلا ما يعطيها المجتمع إياهم: فهى بالنسبة للمجتمع كالأجزاء الداخلة فى بناء الجسم الإنسانى» ليس لواحد منها قوة بذاته إلا فى داخل نشاط الهيئة الإنسانية المكونة لبناء الإنسانء: فليس للفرد نشاط ينفرد به عن الجماعة: إنما إنتاجه أولا ويالذات للجماعة» والتكافل الاجتماعى بمعناه العام يجب أن يكون للجماعة؛ فإن المجتمع هو الوحدة التى تمد قواه بكل ينابيع الحياة» وأن كل فرد لا يعد فى الجماعة إلا إذا تم التلاصق بيته وبين غيره فى البناء الإنسانى الكاملء وبذلك تكون الذولة هى العنصر الذى يتدخل فى كل أجزاء البناء» فليست فقط منظمة, ولكنها مشتركة مستولية على كل الجهود. فهى تتولى إدارة دولاب الإنتاج فى كل نواحيه. وليس للآحاد حق إلا بمقدار ما تعطيهم؛ وهى تلاحظ فى ١‏

عطائها التساوى الذى يتكافا مع إنتاج كل قرد على أن ما يفضل عن حاجاته لا يورث عنه, فإذا تباينت الجهودء فلكل امرئ بمقدار ما كسب, ويمقدار جهدهء ولكن لايئول جهد إنسان بالوراثة إلى إنسان قريب أو بعيد, وقد كانت نتائج الجهود لا تدخر فى هذا المجتمع ولكن أجيز ادخارها على ألا تنتقل بالإرث على أى ضرب من ضروبه إجباريا أو اختيارياء وأخيرا قيل إنه يباح أن تنتقل الأموال التى لا تفل وتكون من الحاجات الأصلية كالمنزل الذى يسكنه وما فيه من أثاث وذلك فى السنوات الأخيرة.

- ذانكم هما النظامان القائمان فى عصرتا الحاضرء وتتقارب منهما يعض الدول وتتباعد عدء حتى أنه لا يكاد يوجد النظام الفردى إلا فى بعض قليل من الدول التى تسمى رأسمالية وأن بعض هذه الدول التى تسمى بهذه التسمية تأخذ بكثير من النظام غير الفردى بقدر قليل أو كثيرء فإنجلترا تأخذ كثيرا من النظام الثانى فى تدرج واضح من غير أن 95 خذه طفرة.

وإن المقياس الضابط الذى يفرق بين النظامين هى تأميم وسائل الإنتاج فيمقدار تأميم هذه الوسائل يكون القرب أو البعد من هذين النظامين, ونجد بلادا تسبمى نفسها رأسمالية تو تؤمم كثيرا من وسائل الإنتاج فيهاء وأخرى تؤمم قليلاء أما الدول التى حاريت الفردية فهى بالتالى حاريت رأس المال وأممت جميع وسائل الإنتاج من غير إهمال لجهود الأقراد فى هذه الدائرة الضيقة,

'.. 4- .يعد هذه الكلمات الموجزة فى الفردية والاجتماعية ننظر فى الإسلام لنتعرف إلى

أى الاتجاهين يميلء وإننا عندما ننظر فئ مصادره وموارده نظرة فاحصة عميقة ننتهى إلى أنه لا يأخذ بأى النظامين جملة وتفصيلاء فهى لا يمح حرية الإنتاج الفردى؛ ولا يمكن تلك الحرية من كل * شئء فهو أعطى الأفراد حقوقا تجعل لهم حرية الإنتاج ولكنه قيد هذه الحقوق بألا يكون ثمة ضرر بالمجموع. فما من حق فى الإسلام إلا وهى مقيد بعدم الإضرار بغيره؛ والحرية الشخصية بكل ضرويها حق ممنوح ولكنها مقيدة يعدم الإضرارء فإذا كان الضرر أو توقع الضرر قيد الحق تقييد تقييدا قضائياء ومنع صاحبه من استعماله إلا فى الحدود القانونية أو سلب ذلك الحق,

١

وإن الإسلام لم يسلك سبيل التقييد القانونى فقط أو القضائى فقط كما يعبر فقهاء المسلمين, بل إنه قيد الأمر بقيود دينية أى أن العبد. مسئول أمام الله تعالى إذا استخدم الحقوق التى منحه الله تعالى إياها استخداما يؤدى إلى الإضرار بغيره, فوق أن لولئ الأمر العادل أن يتدخل قانونا فى كل ما يرى فيه ضررا يمس الجمهور, |

وإننا فى هذا المقام نتكلم فى الرقابة الدينية التى تربى فى المؤمن روح الائتلاف مع غيره من غير ضياع لشخصه, أ إيذاء لغيره. ونتكلم فى الحقوق الفردية إجمالا وقيودهاء وبذلك يتمبز النظام الإسلامي فى التكافل الاجتماعى.

التهذيب الدينى الاجتماعى

4- إن الشريعة الإسلامية تتجه فى كل أحكامها إلى تحقيق الأهداف:التى تؤدئ إلى تكافل اجتماعى سليم قائم على الائتلاف والتهذيب الديني والعدالة التى لا تكون فيها قوة تتغلب على الأخرى.

وإننا نبتدئ بالعبادات التى هى فى ظاهرها علاقة العبد بربه, ولكن هى فى معناها تربية الضمير الاجتماعى الذى يجعل الآحاد مندمجين فى الجماعات التى يعيشون فيها بقوة روحية تحكم ميولهم وإرادتهم وتوجه عقولهم فب تحقرٌ فيتحقق التكافل الاجتماعى نفسيا قيل أن تتدخل القوانين التى لها مبررها من الإسلام.

وإن التكافل الاجتماعى المنبعث من النفس ابتداء أجدى على المجتمع من تكافل بقوة القانون من غير اعتماد على الإيمان والضمير الدينيء لأن ما يبنى غلى القانون قد يوجد فى النفس ما يبرن مخالفته؛ أما ما يعتمد على الضمير الدينى أولاء ثم علئ القانون ثانيا فإن المؤمن يطيعه على أنه أمر من الله الذى يعلم السر وأخفىء والذى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدورء وإن ذلك لا يسوغ له الهروب من الأحكام المقررة بحكم قانونى.

-٠‏ وبعد هذا تقرر أن العبادات فى الإسلام شرعت لتهذيب النفوس وتربية دوح المساواة وروح الاجتماع الذى لا اعتداء فيه؛ وإذا كانت العبادات لا تحقق تلك الأهداف التهذيبية فهى ليست عبادة خالصة يقبلها الله تعالى ويثيب عليها .

١١

ولنضرب لذلك مثلا بالصلاة التى هى أوضح العبادات؛ هى عمود الإسلام كما هى عمود كل دين: فقد وضحها القرآن وبين غايتها بأنها تمنع الجرائم الاجتماعية وتمنع كل منكر لا تعرفه العقول السليمة؛ بل تستتكره, وأنها يجب أن تؤدى هذه الفاية. فإن لم تؤد إليها فصاحيها مذموم وصلاته مصصدر عقاب له, لأنها صلاة هو ساه عن معتاها وعن غايتها(١),‏ والصوم هى طهارة روحية وسمى نقسى من شأته أن يجعل النفس تتطامن للضعيف, وهو يربى قى النفس الرغبة فى إعطاء الضعفاءء وإن ما يشتمل عليه الصوم من طهارة نفسية يجعل النفس تأتلف مع غيرهاء إذ تعلى عن أرجاس الأرضء فينظر المؤمن إلى عباد الله من الجانب الذى يجعله متآلفا متكاملا مع الجماعة فى شدتها ورخائها. والحج تعارف اجتماعى عام يجعل المؤمنين يتعارفون ويتكافلون حيثما كانت أماكنهم» ومهما تتباعد أقطارهم؛ فهى ليس توجيها للتكافل الاجتماعى فى داخل الإقليم الواحد فقط؛ ولكنه توجيه لهذا التكافل فى عموم الأقطار الإسلامية, ْ والزكاة تعاون اجتماعى يجعل للفقير حقا معلوما فى أموال الغنى فهى تكليف اجتماعى خالص ومصرفها خالص ونظامها فى الجمع والتوزيع يشمل أكثر أيواب التكافل الاجتماعى وولى الأمر هو الذى يجمعها وهى الذى يوزعها على مصارفها. وقد قال النبى ع : «خذها من أغتيائهم وردها على فقرائهم». ' ولقد جعل الإسلام كفارات الذتوب تعاونا اجتماعياء قمن أفطر فى رمضان عليه عتق رقبة أو صيام ستين يوماء أى |طعام ستين مسكيناء ومن حلف وحنث فى يمينه كان عليه عتق رقبة أى إطعام عشرة مساكين أى كسوتهم. وهكذا نجد كفارات الذنوب تكافلا اجتماعياء وكأن الذنب الذى يرتكب والتقصير فى عبادة اعتداء اجتماعى؛ فلا يكفر الاعتداء الاجتماعى إلا تعاون اجتماعى يسد النقص ويزيل الخللء ولقد اعتبر النبى عله كل إعطاء للفقير مكفرا للسيئات فقال عليه الصلاة والسلام: «الصدقة تطفئ المعحصية كما يطفئ الماء النار» إذ كل معصية مهما كبرت أو صغرت: ظهرت أو خفيت تعد اعتداء اجتماعيا فلا يزول أثرها إلا بتعويض للمجتمع. )١(‏ وردت نصوص قرآئية تبين مقاصد الإسلام من الصلاة, وعدم قبولها إذا لم تتحقق مقاصدهاء فقال تعالى: ذاتل ما أوحى إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمتكر ولذكر الله أكير». (العنكبوت: ه؛) وقال تعالى: : «فويل للمصلين » الذين هم عن صصلاتهم ساهون » الذين هم يراءون + ويمنعون الماعون» (الماعون: 5 - 7),

١

فالكذب والتميمة والغيبة وغيرها من الآفات الاجتماعية التى قد تحدث من الأشخاص لتكفيرها أن يتوب صاحبها ويقع عنها. أن يدم للمجتمع معو يقدر ما قدم من أذى على

قدر طاقته.

-١‏ ثم هكذا نجد كل العبادات الإسلامية تتجه إلى تهذيب ضمير المؤمن ليكون متكافلا مع المجتمع الفاضل فى غايته الفاضلة» وإن وصايا النبى عله تتجه إلى تطهير قلب المؤمن ليكون نور الإخلاص مضيئا له فى سبيل النفع الاجتماعى؛ فالنبى مَللهُ يدعو إلى تطهير القلوب ليكون التالف الاجتماعى؛ فهى يقول: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» ويقول عليه الصلاة والسلام «الإثم ما حاك فى الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس» فاستفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك» ويقول عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى». ١‏

وتجد الوصايا الدينية تتجه كلها إلى إصلاح القلوب؛ وإذا صلحت القلوب واستقامت فإنها تحسن مقاصدها الاجتماعية ولا حياة لتكافل اجتماعى لا يقوم على أساس من العلاقات الروحية القلبية, لأن المجتمعات لابد أن يقوم تكافلها وترابطها على معان روحية لا على مجرد علاقات مادية. ظ إن الاسلام ككل دين من الأديان: يريد أولا ويالذات مجتمعا دينيا معنويا ولا يريد مجتمعا يقوم كل تكافل اجتماعى فيه على المادة وحدهاء ذلك لأن المجتمع ترايط أحياء لهم خواص روحية؛ تكون هى الحبال النورانية التى تربط أجزاءه. وتوثق أركانه؛ فإن ما يبنى على الارتباط المادى سهل الانهيار» وما يبنى على العلائق الروحية لا يسهل انهياره؛ وإنه لا يحفظ الجماعة إلا الضمائر الدينية القوية التى تجعل كل فرد يؤثر أخاه على نقسه بالعطاء, وإذا قامت الجماعة على هذا النحو من الترابط الروحى لا تحقد تحقد طائفة على أخرى ولا تكون المنازعات ولا تنظر كل طائفة إلى أخرى نظرة من تريد اغتصابها أى تخشى اغتصابها.

وإن الخسمائر الدينية تجعل الترايط لا يكون به بقوة القهر والسلطان كما نرى فى سلطان نظام مادى لا أثر فيه للمعنويات. لقد وجدنا النظم التى نة تقوم على ضغط الآحاد فى

1

بناء واححد من غير نظر إلى الإرادات الخرة والضمائر الحية يكفى لزوالها وزوال من قام بالضغط وإيجاد البناء كما رأينا فى النظم الدكتاتورية الفاشية, '

إن التكافل فى الإسلام أولى دعائمه القلوب وما يبنى على القلوب يكون له البقاء.

يحد بها الفردية» فلا يجعلها متطلقة.

الحرية الغردية

1 - قلنا إن الإسلام جعل أساس التكافل الاجتماعى مراعاة كل مؤمن لحق غيره مراعاة تامة؛ وهذبت العبادات النفوس المؤمنة, ليتقدموا بقلوبهم طيبة مخلصة لكل نفع لأنفسهم ولجماعتهم. :ون الجتمع لايدمع الشرد ويمحو إرادته واكنه يجعل إراتهللخير الجماعى بقوة التدين والضمير. فإن لم يكن فق فقوة السلطان وحماية الجماعة من أضرار الفردية؛ ولذلك كانت حقوق الآحاد قد متم بق ألجمات قن لم فيد ال ب الدين قيد بحكم السلطان: وكان لولى الأمر أن يسن من النظم ما يكفل الرعاية الاجتماعية السليمة؛ فيقوموا بحق المجتمع مجبرين ما داموا لم يقوموا به مختارين بحكم الدين. وإنه لهذا كفل الإسلام الحرية القردية للآحاد على آلا يتجادنه! فى حريتهم الح لمعقول, لأن كل حق كما قلنا مقيد بعدم الإضرا ر بالغير. ا

والخرية فى النسام ل تتصور إل مقيدة. لان الرية ليست انطلاا من القية بل هى معنى لا يتحقق فى الوجوا إلا مقيدا ؛ فالحر حقا هو الشخص الذى تتجلى فيه المعانى الإنسانية العالية الذى يضبط نفسه ويتجه بها إلى معالى الأمور, ولا تنطلق أهوازه ولا يكون عبدا لشهوته, يل يكون سيدا لنفسه- وإن هذه السيادة التى يتسم بها الحر هى العنصر الأول فى تكوين معنى الحرية فى نفسه وهو القوى حقاء ولذلك قال محمد َله: «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب؟ لأنه عند الغضب يسيطر الهوى, فإذا ملك نفسه فى هذه الحال فهن القوى حقاء ؤهى الخر حقاء لأنه حرر نفسه من ربقة

3

وإذا كان الحر هى الذى يضبط نفسه ولا يذل ويأئف من أن يهضم حقه فهو لا يعتدىء فالحر لا يمكن أن يكون معتدياء لأنه يسيطر على أهوائه, ولأنه يعطى لغيره ما يعطيه لنفسه. ولأنه يحس بال معانى الإنسانية التى يجب أن يلتزمها لغيره؛ ولذلك يتحقق الأمر المحمدى الصريع المنظم: «عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به» «وأحب لأخيك ما تحب لنفسك»,

-١‏ إن الحرية الحقة لا تتصور انطلاقا من القيود والضوايط؛ لأن الانطلاق من جانب تقييد فى جانب آخرء فإذا انطلق بعض الكتاب يقوضون من كرامة من يخالفون آراءعهم من غير أن يجادلوهم بالتى هى أحسن فإن مؤدى ذلك أن يحجم ذو الكرامة التى يريد أن يصونها من لغو القول فلا يبدى رأيه: وبذلك يكون الانطلاق الظالم مقيدا للحرية العادلة. ش

وإن الحرية معنى اجتماعى لا يتصور وجوده إلا فى مجتمع متكافل يأخذ الآحاد منه ويعطونء وإذا كانت كذلك قلايد أن تكون فى حدود يرسمها المجتمع الفاضل من غير إرهاق نفسىء وإن الذين يفهمون الحرية انطلاقا هم عبيد الأهواء الذين لا يراعون حق المجتمع» ولا

ويجب أن يلاحظ أن القيود الضابطة للحرية هى فى أصلها قيود نفسية وليست قيودا خارجية ابتداء.

وهى 533 . من قيقتين:

إحداهما: السيطرة على التفس والخضوع لحكم العقل لا الخضوع لحكم الهوى: كما أشرنا من قيل. ٠ ٠‏

والثانية: الإحساس الدقيق بحق الناس عليه وإلا كانت الأنانية, والحرية والأنانية نقيضان لا يجتمعان: ومن الإحساس بحق الغير ينبعث نور الحياءء, وهى خير كله كما أشرنا فضل على الآخرين إلا يعمل الخير؛ إنما هى وهم على سواء فلا يطغى غنى على فقير ولا قادر على عاجنء ولا ذى جاه على خاملء فإن كان شئ من ذلك فإن فاعله ليس حرا .

١/

-١4‏ ولا شك أن الناس ليسوا سواء فى مراعاة حرية الغير؛ فمن الناس من يراعون حقوق غيرهم ومنهم من لا يراعيهاء أى بعبارة أدق من الناس من هم أحرارء ومنهم من ليسوا أحرارا وإن تداعوا بينهم باسم الحرية. لذلك كان لابد أن تقيد حرية بعض الئاس بقيود خارجة عن النفس بحكم القانون الذى يضعه ولى أمر المسلمين؛ وإن التعبير الصادق فى معناه أن نقول إن هذه حماية للحرية وليست قيودا فيها إنما هى قيود للذين انطلقوا غير مراعين حقها.

ولذلك تكون القيود حيث يضعف ال معنى النفسي فى نفوس الناس. فإذا كان الكاتب أى الشاعر لا يلاحظ حق الفير فى التمتع بحرية رأيه؛ بل يعتدى عليه بالتشنيع أو السخرية والتعرض لكرامته وسمعته؛ فإن القانون لابد أن يقيد قول ذلك المعتدى وهى قيد مستمد من الحرية. استوجبته حمايتهاء وعلى ذلك يكون تقييد أولئك المنقلتين الذين لا يراعون حق المجتمع هى من حماية الحرية والباعث عليه هى حق الغير فى أن يتمتع بحريته الحق,

وإذا استخدم المالك ما يملك فى إيذاء الناس اعتمادا على حريته فإنه يمنع من ذلك حماية لحرية غيره. ولنضرب لذلك مثلا ذكره الفقهاء وهى من يرفع بناءه حتى يحجب النور والهواء تماما عن جاره فإنه يمنع من ذلك وتقيد حريته ليتمكن جاره من الانتفاعء ويكون التدخل القانونى فى حرية المالك فى هذه الحال لحماية حرية امالك فى جانب أخر. وإذا منع الشبان من التعرض للنساء فى الطرقات أو أمام دور الملاهى, فإن ذلك لحماية حرية المارة سواء أكن متفردات أو معهن أزىاجهن أو محارمهن؛ وهكذا نجد الأمثلة الكثيرة التى تبين أن تقييد الحرية فى الإسلام فى جانب لابد أن تكون فيه حماية للحرية فى الجانب الآخر أو لدفع الضرر عن المجموع: ومن ذلك التدخل لمنع الاحتكار, فإنه تدخل فى حرية الاتجار, ولكن عندما يكون التجار قد تجاوزوا العدل الثابت فحق عليهم التدخل لمنع الأذى.

وإذا اشتد الإقبال على الأراضى وقد صار أكثرها فى يد طائفة تحتكرها وجب

التدخل لحماية حرية الذين لا يستطيعون همنافسة الكبار حتى لا يئول الأمر إلى حرمان هؤلاء الصغار. ْ

حرية الملك

-١‏ الحقوق الشرعية كلها منح من الله تعالى لعباده؛ وهى يعطيها مقيدة ولا يعطيها مطلقة؛ ليمكن الائتلاف بين الحقوق والواجبات. وبين مصالح الناس بعضهم على بعض فلا تتضارب الحقوقء بل يسير المجتمع على أسس متينة متماسكة. ظ

وإن الملكية الفردية لعموم الناس حق أعطاه الله تعالى لعباده فى قيود وحدود, أساسها أن تكون هذه الملكية فيها لاتضر ملكيته الفردية كالماء والمعادن التى تكون في باطن الأرض سراء كانت سائلة أى كانت جامدة: وسواء أكان الجامد فلزات قابلة للطرق والسحبء أم كانت حجرية لا تقبل إلا الكسر. وقد ذكر الفقهاء الأراضى الزراعية المفتوحة فى ضمن ذلك وقرروا أن اليد عليها ليست يد ملك. ولكنها يد اختصاص يثبت حق الاختصاص ولا يثبت حق الملكية التامة - وأن قيود الملكية سواء أكانت ملكية رقبة ملكية تامة؛ أم كانت ملكية انتفاع ولا تكون إلا ناقصة هى مقيد يألا تضر بالغير.

وقد أثبتت الشريعة الإسلامية الملكية الخاصة في تلك الحدود وهذه الرسوم: وإذا التزمت هذه الرسوم وتلك القيود فليس لأحد أن ينزعها من يد صاحبهاء لأن النبى َل يقول: « لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه » وقد نهى القرآن الكريم عن الاعتداء على الملكية مادامت قي الحدود التى رسمها الشارع(١),‏

وقد رأينا بعض الذين يكتبون فى المسائل الإسلامية يقؤل : إن الملكية وظيفة اجتماعية: ولا نرى مائعا من استعمال هذا التعبير؛ ولكن يجب أن يعرف أنها بتوظيف الله تعالى» لا بتوظيف الحكامء لأن الحكام ليسوا دائما عادلين؛ فلى كانوا دائما كعمر بن الخطاب أى عثمان أو الصديق أو على أى عمر بن عبد العزيز لقلنا إن التوظيف منهم سيكون دائما فى دائرة العدل والحق وما شرعه الله تعالى» ولكن إذا صادفنا عادلا فسنجد غيره مرارا ولذلك كان من الأجدى والأصون أن يستمر الذى يتولى التوظيف هو الأحكام الشرعية التى وضعها اللطيف الخبير,

وإن ولى الأمر العادل له أن يتدخل لتقرير القيود على الملكية إن لم يلاحظها المالك. وقد أثر عن النبى تله أنه تدخل بمنع بقاء الملكية عند المضارة مع تعويض. )١(‏ النص القرآنى يقول ٠:‏ يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم». (سورة النساء: 4؟) ش

15

فقد رورى أبى جعفر محمد الباقر عن أبيه على زين العابدين أنه قال: « كان لسمرة ابن جندب نخل فى حائط رجل من الأنصار (أى بستانه ) وكان يدخل هو وأهله فيوّذيه, قشكا الأتصارى ذلك إلى رسول الله عله قال رسول الله عله العادل لصاحب الثخل : بعه. فأبى , فقال الرسول : فاقطعه, فأبى: قال : فهبه؛ ولك مشه فى الجنة فأبى: فالتفت الرسول له وقال: أنت مضارء ثم التفت إلى الأنصارى وقال: اذهب فاقلع نخله» ونرى من هذا أن النبى عله لم يحترم تلك الملكية المعتدية .)١‏

وفعل ذلك الإمام عمر من يعده, فإنه أثبت أن للمالك على ملكه حقوقا مقررة ثابتة أساسها أمران : أولهنما منع ضرر الغيرء وثانيهما نفع الغير إن لم يكن ثمة ضرر لاحق. وددى فى موطاً مالك أن رجلا اسمه الضحاك. ساق خليجا من العريضء فأراد أن يمر به فى أرض محمد بن سلمة؛ فأبى» فكلم فيه عمر. فأمره أن يخلى سييله فقال : لا والله, فقال عمر : لم تمنع أخاك ماينفعه, وهى لك نافع تسقى أولا وآخرا وهى لا يضرك, فقال محمد: لا ققال عمر: «والله ليمرن به ولى على بطنك فأمره عمر أن يمس به».

ونرى من هذا أن عمر لا يكتفى يجعل الضرر سيباء بل يوجب أن يقوم الإنسان في ملكه بما يكون فيه نفع لغيره مادام لا ضرر عليه قيه؛ لأن جلب النفع للغير يتضسمن دفع مور المتع. |

- وننتهى من هذا إلى أن الملكية حق أعطاه الله تعالى لعباده وقد قيد بالا يكون فى الاستمساك به منع خير عن غيره» ولا يكون فى منعه جلب نفع للمالك.

وفى الجملة إنه مع ثبوت حق الملكية للمالك من الآحاد تتعلق حقوق الفيرء ولكن حق المالك يقدم أولاء وحق غيره يكون ثانياء ويوازن بينهما بميزان العقل والشرع: وسيكون لذلك

قضل من القول عندما نتكلم عن المصالح الإسلامية المقررة وتعارضها بين الآحاد والجماعات,

إن الى تقرره هنا فى هذا امقام ه أن الحقوق التى تجب على اللكية: تتزايد فى الجاع يو أب سعيد الخرى فقيل :كنا فى سفر, فقال النبى عله : من كان معه

ى

فضل زادء فليعد يه علي من لا زأد له, ومن كان له فضل ظهرء فليعد به على من لا ظهر له. وأخذ يعدد أصنافا من الأموال حتى ظننا أثنا ليس لنا من أموالنا إلا ما يكفينا»...

وقد أصابت العرب فى عصر عمر مجاعة شديدة فى سنة سميتث سنة الرمادة وفيها تكافل المسلمون في مشارق الأرض ومغاريها ليدفعوا غائلة هذه المجاعة عن جزيرة العرب» قال عمر رضى الله عنه بعد أن انتهت : « لى أصاب الناس السنة لأدخلت على أهل كل بيت مثلهم فإن الناس لا يهلكون على أنصاف بطونهم». 0 ظ وبهذا نتبين أن حرية الملك وثبوت الملكية الفردية لا يتنافى مع حقوق الجماعة على هذهالملكية. 207 0 |

-١‏ والإسلام قرر أن الملكية لها أسباب نظمها الشارع؛ فقد وضع سبحانه أسبابا للملكية التامة, كإحياء موات الأرض فإنه ينشئ الملكية؛ وكالعقود الناقلة للملكية من حيز إلى حيزء وكالملكية بالخلافة سواء أكانت بالميراث أم كانت بالوصية؛ فإن الله سبحاته وتعالى هفو الذى نظم هذه الأسباب وجعلها منتجة ثمراتها فى الملكية من غير أن يكون أعتداء على حق الجماعة » أى حق أحد من التاس. وفرض حقوقا للغير فيها؛ وجعل فيها حقا للضعفاءء وحقا

وإن جعل الملكية حقا للآحاد التى أشرنا إليها هى من قبيل احترام الشخصية الإنسانية؛ حتى لا يكون الآحاد كالجماد ويكون البناء الاجتماعى كالأحجار بعضه بجوار بعضه من غير إرادة إنسانية. ظ 0

إن الإسلام لم يجئ لتنظيم الدولة؛ أو فرض سلطاتها فى كل شئ” بل جاء لإيجاد مجتمع تتلاقى فيه الإرادات الإنسانية الحرة تحى هدف واحد هى إقامة مجتمع سليم قوى لاتفنى فيه قوة أخرى, |

إن تنمية الشخصية مع تهذيب الطبائع والقيام بالواجبات الاجتماعية وتنمية الضمير الحى المستيقظ وروح الألفة والتآخىء وملاحظظة الحقوق بين الناس يعضهم مع بعض يوجد التكاقل الاجتماعى السليم, إن تتلاقى إرادة الآحاد بعضهم مع بعضء فيتكون الاجتماع فى محبة ويروح من الله.فيكون المجتمع قويا مؤتلفاء لأنه تكون من قلوب متآلفة لا من جسوم متراصة,

لف

ولا يكون كذلك المجتمع الذى يكون فيه الآحاد مندغمين فى الجماعة, فإنه لا تكون لهم حقوق شخصية إلا ما تمنحه الجماعة ممثلة فى الحاكم؛ ويشبه أن يكون اجتماعا صناعيا وليس اجتماعا ائتلافيا,

4- ولا يعترض على هذا النظر الإسلامى الخالص بأن الأحاد قد يطفى بعضهم على بعض, » وبأن الأولى أن نيتدئ من أول الأمر فنعطى الجماعة حقهاء ثم يكون منها بعد ذلك التوزيع العادل على الآحاد.

فإنا نقول فى الإجابة عن ذلك بأن النظر يتنازعه أمران: حق الجماعة قبل الآحاد وحق الآحاد قيل الجماعة؛ فالإسلام نظر إلى الحقين فى إطار واحد؛ فجعل لاآحاد حقوقا وعليهم للجماعة واجبات يتحملونها؛ وعليهم أداؤها؛ وربى الضمائر للحمل على أدائها وإذا لم تؤد اختيارا أديت اجباراء وجعل ملكية أخرى للدولة تتولى هى توزيعها على الآحاد أى تتولى كلاثة: ٠‏

أولها: أن تكون الملكية فى دائرة منع الضرر,

وثانيها: أنه ليس كل * شئ قابلا للامتلاك الفردى.

وثالثها: أنه قرر حقوقا ضرورية للدولة أو للجماعة على الملكية الخاصة لأنها ليست حقا خالصاء إذ هى عمل إنتاجى لا يتكافل إلا بتوافر الحرية المختارة.

٠‏ وبتلاقى هذه الأمور الثلاثة يتكون مجتمع متكافل, لا تطفى فيه قوة على قوة.

ونرجئ الكلام فى الأول إلى الكلام فى الأصل العام وهى الأصل الذى تقوم عليه

بف

الأموال التى يجوز امتلاكها والتى لا يجوزفيها الإمتزاك

مع أن الملكية حق شخصى أعطاه الله تعالى؛ فليست كل الأموال قابلة للامتلاك بل منها ما يقبل الامتلاك الفردىء ومنها مالا يقبل الامتلاك الفردىء بل إن خْير الجماعة أن تكون ملكيتها عامة, أى بالعبارة الجارية تكون ملكيتها مؤممة أى للأمة كلها وإذا بينًا ما لا يقبل الملكية الفردية نتبين ما يقبل ملكية الآحاد ويكون من الخير أن يعكنوا من ملكيته, وتكون لهم الحرية فى امتلاكه والانتفاع به فى الحدود المرسومة.

ونرى مما رأيناه فى مصادر الشريعة ومواردها أن الشريعة تمنع الملكية الخاصة فى ثلاثة أنوا ع من المال: ش

أولها: الأموال التى ترصد لمنافع العامة ولا يمكن أن تؤدى مقاصدها فى ملكية خاصة كالمعابد والمدارس والمصالح والطرقات ومجارى الأنهار, وير ذلك مما لا يمكن أن يؤتى نفعه إلا حيث يكون للجماعة؛ ومن هذا الأوقاف الخيرية؛ وهى الأموال التى رصدها أصحابها للبر» أى للنفع الإنسانى العام فإنها بحكم وقفها وحبسها لله لا تكون ملكا لأحدء وهذا هو الرأى المختار وهو فى الفقه الحنفى, لأن الوقف يخرج العين عن الملكية الخاصة إلى حكم ملكية الله تعالى. فإذا كان بعض الفقهاء قال إنها تكون ملكا للموقوف عليهم, فإن ذلك يكون له أثره إذا كان الوقف على غير النفع العام وهو ما يسمى بالوقف الأهلى كاصطلاح أهل مصرء والوقف الذرى كاصطلاح غير مصر من البلاد العربية. أما الوقف الخيرى فإنه يعتبر ملكا للجميع؛ لا لقوم بأعيانهم: ويخرج بالوقف من الملك الخاص إلى الملك العام أو حكم ملك الله تعالى» ولى قالوا أنه ملك للموقوف عليهم.

النوع الثاتى من الأموال: ما تكون فيه الثمرة غير متكافئة مع العمل الذى ينتجه كالمعادن التى تكون فى باطن الأرض فإن الثمرة التى تجئ منها لا يتكافا معها العمل الذى عمل لاستخراجهاء ومن شأن إطلاق اليد فى هذا النوع من الأموال أن يكون فيه ضرر شديد بالأمة ونفع كبير مقرط لاكحاد فكان المنطق ألا تثبت فى هذا ملكية خاصة. وكذلك قال بعض الفقهاء. وخالفه الآخرون, واكن الذين خالفوا قدروا حق الجماعة فيها بقدر كبير, لكيلا تكون الغلة فيها ملكا للمنتج؛ بل نقصوا من الغلة مقدارا يخفف من الإفراط فى أخذ الثمرة.

نذا

النوع الثالث من الأموال: التى تتول إلى ملك الدولة أويكون للدولة عليها الولاية أنها لا تعطى فيها ملكا خاصا يل تد تبقى على حكم الملكية العامة لا يعطيها الإمام لأحد؛ وإن أقطعها ولى الأمر لبعض لناس يكون إقطاع منفعة ؛ إقطاع رقبة

. ولنتكلم فى بعض هذه الأموال التى لا تقيل الامتلاك عند بعض الفقها ء ولنيتدئ بالكلام فى المعادن.

المعاردق

٠‏ الاتفاق بين الفقهاء على أن المعادن لا تسلم كلها لواجدها ويكون جزؤها أو كلها للتكافل الاجتماعى العام. واختلاف الفقهاء هى فى مقدار ما يكون للدولة أى ما يكون مؤمما:

فالمالكية قرروا أن المعادن التى تخرج من باطن الأرض تكون ملكا للدولة, فإذا استخرجها إنسان بإذنها أو بفين إذنها فإنها تكون مؤممة فل أن شخصا يسير فى صحراء فحفر يطلب ماء فوجد ذهبا أي نحاسا أو ماسا فإنه لا يحل له. بل عليه أن يقدمه للدولة, ولى أن إنسانا فى صحراء أراد أن يحفر بثرا يشرب منها فوجد بترولا: فإنه لا يكون له بل يكون لجماعة المسلمين,

وإذا أذن ولى الأمر لأحد أن يبحث فإن له أجر العمل والثمرة للامة.

وقد يقطع ولى الأمر لشخص جزءا من الأرض التى تشتمل على معادن: وقد فعل النبى عله ذلك. فقد أقطع لبلال بن الحارث الهلالى؛ المزتى معادن من معادن أرض على ساحل اليحر بينها وبين المدينة مسيرة خمسة أيام. وقد قالوا إن إقطاعها كان إقطاع انتفاع, لا إقطاع ملكية ولعل الذى سوغ هذا الإقطاع هى بعد هذه الأرض عن المدينة وعدم تمكنه ته من تنظيم الانتفاع بها لاشتغاله عليه الصلاة والسلام بإنشاء الدولة الإسلامية ومجاهدة المشتركين» وجمع شمل المسلمين» ولعدم وجود من يتفرغ لهذا من صحابته ورجاله, فأقطع المعادن إقطاع منفعة ولم يجعلها ملكية ليتمكن من أن يغير الوضع هو أو من يخلفه.

وإن هذا يدل دلالة لا شك فيها على أن المعادن سائلة أو جامدة هى ملك للدولة وهى تديرها يما تراه أتفع للمسلمين ويما يتفق مع إمكانيات الدولة ورج الها ء ولوكان ذلك

53

بالإقطاع للعمل الشخصى: على ألا يكؤن ملكا دائماء فإن من يخرجها من الأرض يقدم للناس شيئًا ناقعا يسد حاجتهم وهى خير من تركها فى باطن الأرض لا ينتفع بها أحد.

ويهذا النظر تكون المعادن ملكا للدولة ولووجدت فى أرض رقبتها مملوكة ملكا خاصا فمن وجد معدنا فى أرضه المملوكة له لا يحل له امتلاكه بل عليه أن يقدمه للدولة أيا كان مقداره قليلا أو كثيراء ومن وجد في أرض يملكها بئر نفط فإنه لا يملك منه شيئًا لأنه لا يملك إلا الأرض وليس هذا منها. ا

وقد قال بعض فقهاء المالكية أن المعادن تكون ملكا للدولة أيا كان نوعها إذا وجدت فى أرض ليست مملوكة ملكا خاصا. أمًا إذا وجدت فى أرض مملوكة ملكا خاصا فإنها تكون تابعة للأرض لأنها تكون بمنزلة ما ينبت فيها من نبات وما يغفرس فيها من شجرء فكما. أن هذه تثبت ملكيتها لمالك الأرض فكذلك المعادن التى توجد فيها.

والرأى الأول أسد لأن المعادن ليست كالزرع, لسيبين:

أولهما: أن الزرع ينتج من الأرض بعمل الإنسان فهى الذى يزرعه وهى الذى يحصده, وإن كان الخير من الله تعالى: أما المعادن فإنها فى باطن الأرض من غير إيداع للإنسان فيهاء فسبب الملكية فى الزرع لا يتحقق فى المعادن, لأنه لا عمل للإنسان.فى إيجادها.

ثانيهما: أن المعادن موجودة فى الأرض قبل أن يملكها المالك ملكا خاصا والامتلاك لا يقع عليها لأنه إنما يمتلك سطحها وظاهرها ولم يرد الملك على أعماقها وما فى باطنها. إِذ الأراضى تمتلك إفا لإقامة المبانى غليها أو للزرع والإنبات والغرس: لا لإخراج المعادن, والمقصد من الاقتناء هى الذى يحدد أسعارها وتوزن به قيمتهاء فلم يدخل فى تقويم الأرض ما فيها من معادن: فكيف يملكها وهى لم تدخل فى التقويم ولم تكن جزءا من الثمن,

-١‏ هذا هو الرأى المأخوذ من لب الفقه الإسلامى ويستند على السنة وعمل النبى لله وعمل الصحابة؛ وهى يتفق مع المعانى الفقهية ويتفق مع التكافل الاجتماعى السليم. ويتفق مع التكافئ بين العمل ومقدار الثمرة.

وإن هذا الرأى لا يطبق فقط على المعادن التى تكون فى باطن الأرض بل يطبق أيضا على اللكلئ التى تستخرج من البحار أو تلفظهاء فإنها تكون ملكا للدولة وليست ملكا للأحاد .

م"

ولننتقل من مذهب مالك إلى المذاهب الإسلامية ونراها وإن افترقت عنه فى توسعة الملكية لبيت مال المسلمين؛ نجدها لم تترك المعنى من أنه يجب لبيت المال قدر فيه أكبر من غيره ونجدهم يتفقون مع مالك فى جزء كبير من كلامه. فإن الحنابلة يرون أن المعادن إذا عثر عليها الشخص فى أرض غير مملوكة تكون لبيت المال؛ ويكون للواجد أجر مثل عمله لأن الأرض غير المملوكة ملكا خاصا تعد فى حوزة الدولة. فما يكون فى داخلها يكون فى حوزة الدولة» ويكون لها كل ما فيهاء والكاشف عنه له فضل الكشف فيعطى مكافأة على قدره.

وإن من الأراضى التى لا تعد مملوكة ملكا خاصا الأراضى الخراجية وأن هذا النوع من الأراضى يشمل أراضى العراق وفارس وما وراءها من شرق البلاد والشامات ومصر وما وراءها من غرب البلاد الإسلامية وإن كانت فى ظاهرها مملوكة ملكا خاصا فهى ملك للدولة,

هذا كله فى المعادن غير القابلة للطرق والسحب وهى الفلزات: وقد قال أبو حنيفة أن بيت مال المسلمين له فيها الخمس والخمس للواجد إن كانت فى أرض غير مملوكة, وللمالك إن كانت فى أرض مملوكة. ‏ -

والقول الراجح فى المذهب الشافعى أن المعادن تتبع الأرض فإن كانت غير مملوكة فهى للدولة؛ وإلا فهى للمالك؛ وفى الذهب والفضة منها زكاة إن آلت إلى المالك.

75- هذا عرض موجز لأحكام المعادن وما يكون فى باطن الأرض من ثروات. ونرى كلمة الفقهاء أجمعت على أن للدولة فيها جظا كبيرا ء وأن جمهرتهم قرروا أنها إن كانت فى أرض غير مملوكة ملكا خاصا تكون للدولة وإلا فهى كلك الأرضء وللدولة قيها حظ كبير. وآن الأراضى فى غير الدور بحكّمٌ الشرع كلها ملك للدولة.

وإن أمثل الآراء هو رأى مالك وهوآن المعادن حيث وجدت تكون ملكا للدولة؛ وهى المشتق من الكتاب والسنة,

وفى الحق أن الفارق بين رأى مالك ورأى الحنفية وأكثر الشافعية والحتايلة ليس عمليا لأن الجميع يتفقون على أن الأراضى المفتوحة كلها تعتبر فى ملك الدولة ما عدا الدور والحوانيت وإذا كانت ملكا للدولة: وأنها لا تجرى عليها الملكية الخاصة وأن يد الزارع ومن فى يدهم رقبتها يد الختصاص لا يد ملك. فإنه يكون الحكم أن كل المعادن تكون ملكا للدولة إلا على قول الحنفية,

ها

الأراضى الزراعية

7- ننتهى من الكلام فى المعادن إلى أنها بحكم الشرع تكون ملكا للدولة وتكون كالمرافق العامة وتكون جزءا من التكافلء وأن على الذين فى أرضهم معادن سراء أكانت جامدة أم كانت سائلة أن يعلموا أن الثمرات ملك للأمة رليست ملكا لأحد من الناس ولى كانوا حكاما لأنها محبوسة على منافع المسلمين» وليس لفيرهم. وأولياء الأمر الذين ينالون هذه الولاية بمقتضى الحكم الإسلامى- عليهم أن ينفقوها فى مصالح الكانة لا فى مصالح أحد ليتحقق بها باب من أبواب التكافل الاجتماعى أو كل أيوابه.

وهناك ما يشبه المعادن وهى الأراضى الزراعية؛ ولكنها لا تشبهها من كل الوجوه لأن الإنتاج فى الزراعة والفروس بعمل الإنسان وتفكيره وتقديره وإنفاقه؛ فله دخل فى ثمرات الأرض» وإن كان ذلك لا يتم إلا بتقدير العزيز العليم» والتفويض إليه والتوكل عليه.

فى مواضع متفرقة؛ وهى ملكية الأراضى ومقدان قوة !ليد عليهاء أهى يد اختصاص أم يد ملكية تامة؛ ونريد هنا أن نتعرف الأمر من عمل الرسول وعمل أصحابه.

ونبتدئ بعمل النبى عَلله.

4- أول أرض استولى عليها المسلمون بعد الهجرة هى أرض بتى النضير وذلك عند ما خانوا عهد النبى عله وحالفوا المشركين عليه فأخرجهم عليه الصلاة والسلام من جواره ليامن شرهم. وقد جاء النص(') بان هذا الذى آل إلى النبى مله بعد إخراجهم يكون محبوسا للصالح المسلمين ويكون لسد باب من أبواب التكافل الاجتماعى. فيكون لله والرسول ولذى القربى واليتامي والمساكين والفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ويكون منه لفقراء الأنصار. ١‏

)١(‏ النص هو قوله تعالى «ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى واليتامي والمساكين وابن السبيل كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه قانتهوا واتقرا الله إن الله شديد العقاب # للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من

الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم